يمتد أثره لسنوات.. ماذا يحدث في رأس لاعب الكرة لو شعر بظلم الحكم؟ (خاص)
في نهائي أو مباراة مصيرية بكأس العالم، قد تستغرق صافرة الحكم جزءا من الثانية، لكنها قد تترك أثرا يمتد لسنوات.
هدف فرانك لامبارد الملغى أمام ألمانيا في مونديال 2010، و"يد مارادونا" في مونديال 1986، وقرارات تحكيمية أخرى أثارت جدلا عالميا، لم تؤثر فقط في نتائج المباريات، بل ربما تركت بصمات عصبية ونفسية عميقة على اللاعبين أنفسهم، فماذا يحدث داخل دماغ اللاعب عندما يشعر بأن الحكم ظلمه؟
تشير دراسات حديثة في علوم الأعصاب وعلم النفس الرياضي إلى أن الشعور بالظلم التحكيمي ليس مجرد انفعال عابر، بل استجابة بيولوجية معقدة قد تؤثر في التركيز واتخاذ القرار والأداء البدني، بل وحتى في احتمالات الإصابة.

الدماغ لا يميز كثيرا بين الظلم الجسدي والظلم المعنوي
وأظهرت دراسة شهيرة نُشرت في مجلة "ساينس" أن المناطق الدماغية التي تنشط عند الشعور بالألم الجسدي تتفاعل أيضا عند التعرض لمواقف يراها الإنسان غير عادلة.
وتبين أن منطقة القشرة الحزامية الأمامية، المرتبطة بمعالجة الألم والانزعاج، تصبح أكثر نشاطا عندما يشعر الفرد بأنه تعرض لمعاملة غير منصفة.
وبالنسبة للاعب كرة القدم، فإن إلغاء هدف صحيح أو احتساب ركلة جزاء مشكوك فيها قد يُترجم داخل الدماغ إلى حالة من "الألم الاجتماعي"، وهو شعور حقيقي من الناحية العصبية وليس مجرد انطباع نفسي.
انفجار هرمونات التوتر خلال ثوانٍ
ويقول محمد إسلام، الباحث المتخصص في علم النفس الرياضي لـ "العين الإخبارية" إنه"عندما يقتنع اللاعب بأنه تعرض للظلم، يبدأ الجسم في تشغيل ما يعرف باستجابة "القتال أو الهروب".
ويشير إلى أن المواقف التي تثير الغضب أو الشعور بعدم العدالة تؤدي إلى ارتفاع مستويات الأدرينالين، النورأدرينالين، وهرمون الكورتيزول، وهذه المواد الكيميائية ترفع معدل ضربات القلب وضغط الدم وتزيد التوتر العضلي.
ويضيف "رغم أن ذلك قد يمنح اللاعب دفعة مؤقتة من الطاقة، فإنه قد يؤدي أيضا إلى تراجع القدرة على التفكير الهادئ واتخاذ القرارات الدقيقة".

لماذا يفقد اللاعب تركيزه بعد القرار المثير للجدل؟
ويفسر د.إسلام ذلك بأن الغضب يستهلك جزءًا من الموارد الإدراكية للدماغ.
وتؤيد دراسات علمية ما ذهب إليه د.إسلام، فبحسب أبحاث نشرت في" جورنال أوف سبورت أند إكسرسايز سايكولوجي"، فإن التركيز على الشعور بالظلم يقلل من قدرة الدماغ على معالجة المعلومات المرتبطة بالمباراة.
وبمعنى آخر، بينما ينشغل اللاعب بالاحتجاج على الحكم أو استرجاع اللقطة المثيرة للجدل، يفقد جزءا من انتباهه للمباراة نفسها.
وهذا قد يفسر لماذا ترتفع معدلات الأخطاء الفردية بعد القرارات التحكيمية المثيرة للجدل، سواء في التمرير أو التمركز أو إنهاء الهجمات.
ماذا تقول الدراسات عن العدوانية داخل الملعب؟
وتشير "نظرية الإحباط-العدوان"، التي تعد من أشهر النظريات في علم النفس، إلى أن الشعور بالحرمان أو الظلم يزيد احتمالات السلوك العدواني.
وقد أظهرت دراسات أجريت على رياضيين محترفين أن القرارات التي تُفسر على أنها غير عادلة ترتبط بزيادة الاحتكاكات البدنية والأخطاء العنيفة والاعتراضات على الحكام.
ولذلك كثيرا ما يلاحظ المشاهدون ارتفاع حدة التوتر والمشاحنات بين اللاعبين بعد قرارات تحكيمية مثيرة للجدل.

هل يمكن أن يزيد الظلم التحكيمي خطر الإصابة؟
ويشير د.إسلام إلى بعد آخر قد يبدو غريبا أشارت إليه بعض الدراسات، وهو أن الإجهاد النفسي الحاد قد يرفع احتمالات الإصابة الرياضية.
فوفق مراجعات علمية نُشرت في "بريتش جورنال أوف سبورتس ميدسين"، فإن التوتر النفسي يؤثر في سرعة رد الفعل، التحكم العضلي، دقة الحركة، الانتباه للمخاطر.
ويقول إنه " عندما يصبح اللاعب مشتتا أو غاضبا بشدة، تزداد احتمالات الالتحامات الخاطئة أو الحركات غير الدقيقة التي قد تؤدي إلى إصابات عضلية أو مفصلية".
لماذا يتجاوز بعض اللاعبين الظلم بينما ينهار آخرون؟
ولا ينكر د.إسلام أن بعض اللاعبين ينجحون في تجاوز لحظات الظلم، وهنا يظهر دور ما يسميه العلماء المرونة النفسية.
فدراسات أجرتها اللجنة الأولمبية الدولية على الرياضيين النخبة أظهرت أن اللاعبين الأكثر قدرة على ضبط الانفعالات واستعادة التركيز بعد الأحداث السلبية يحققون أداءً أفضل تحت الضغط.
ولهذا نرى بعض النجوم يحولون غضبهم إلى دافع للتألق، بينما يفقد آخرون السيطرة على أعصابهم أو يخرجون ذهنيًا من المباراة.