بولندا المُزدهرة أصبحت أقل حماسا تجاه «اليورو»
بولندا لا تتعجل الانضمام إلى منطقة اليورو، إذ ترى الحكومة أن الأداء القوي للاقتصاد الوطني يبرر الإبقاء على العملة المحلية، الزلوتي، في الوقت الراهن.
وقال وزير المالية البولندي أندريه دومانسكي لصحيفة فايننشال تايمز إن مبررات اعتماد اليورو تراجعت، بعدما تفوق الاقتصاد البولندي على معظم اقتصادات منطقة اليورو، رغم التزام الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بالانضمام إلى العملة الموحدة عند استيفاء معايير محددة.
وأضاف دومانسكي في مقابلة نشرت اليوم الأحد: «اقتصادنا يحقق أداءً أفضل بوضوح من معظم الدول التي تعتمد اليورو. لدينا كم متزايد من البيانات والدراسات والحجج التي تدعم الإبقاء على الزلوتي البولندي».
وكان رئيس الوزراء دونالد توسك قد غيّر موقفه من اليورو، بعدما دعا في بداية ولايته عام 2008 إلى اعتماد العملة الموحدة بحلول 2012، قبل أن يتم التخلي عن هذا الهدف عقب أزمة ديون منطقة اليورو، وفي ظل معارضة حزب «القانون والعدالة» اليميني، الذي جعل الحفاظ على الزلوتي ركناً أساسياً في خطابه المرتبط بالسيادة الوطنية.
ومنذ فوز توسك في الانتخابات البرلمانية في أكتوبر/تشرين الأول 2023 على رأس ائتلاف مؤيد للاتحاد الأوروبي، ارتفعت قيمة الزلوتي أمام اليورو، كما أظهرت استطلاعات الرأي باستمرار معارضة غالبية الناخبين لاعتماد العملة الأوروبية الموحدة.
وقال دومانسكي: «الرأي العام يؤيد الزلوتي، لكن الأسباب الرئيسية لعدم العمل حالياً على الانضمام إلى اليورو اقتصادية وليست سياسية». وأضاف: «قبل عامين كنت أخشى أن تتخلف بولندا عن ركب الاتحاد الأوروبي في نظام ذي مستويين خارج منطقة اليورو، لكن اليوم أصبحت بولندا ضمن الصف الأول اقتصادياً، ولا أرى سبباً قوياً للتخلي عن عملتنا».
وبموجب قواعد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، تُلزم الدول التي لم تعتمد اليورو بعد بالانضمام إليه فور استيفائها معايير التقارب المتعلقة بالاستقرار المالي. غير أن دومانسكي شدد على أن أي خطوة للتقدم بطلب الانضمام ستظل قراراً سياسياً في نهاية المطاف، ما يجعل توقيت الخطوة بيد وارسو.
وفي الوقت الذي أصبحت فيه بلغاريا، التي انضمت إلى الاتحاد الأوروبي عام 2007، العضو الحادي والعشرين في منطقة اليورو هذا الشهر، قال دومانسكي إن بولندا تركز بدلاً من ذلك على السعي للحصول على مقعد في مجموعة العشرين، التي تضم أكبر اقتصادات العالم. وقد دعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بولندا لحضور اجتماع مجموعة العشرين هذا العام في ميامي بصفة مراقب.
وبحسب أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي، أصبحت بولندا اقتصاداً بحجم تريليون دولار العام الماضي، لتحتل المرتبة العشرين عالمياً. كما تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن يحقق الاقتصاد البولندي نمواً بنسبة 3.4% هذا العام، وهو أعلى معدل بين دول الاتحاد الأوروبي المشمولة بتقريرها الصادر في ديسمبر/كانون الأول.
وتتوقع المفوضية الأوروبية أن يتراجع عجز الموازنة البولندية إلى 6.3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، مقارنة بنحو 6.8% العام الماضي، إلا أنه سيظل أكثر من ضعف حد التقارب المنصوص عليه في معاهدة ماستريخت والبالغ 3%، وهو أحد الشروط المالية للانضمام إلى اليورو.
ومن المنتظر أن يصل الدين العام إلى 59.5% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، انخفاضاً من 64.9% في 2025، وأقل من سقف التقارب البالغ 60%. ورغم عدم صدور البيانات النهائية لعام 2025 بعد، قال دومانسكي إن المالية العامة تحسنت بفضل قوة سوق العمل، التي سجلت أحد أدنى معدلات البطالة في الاتحاد الأوروبي، مضيفاً: «الأجور ترتفع، ما يعني أن المواطنين يدفعون ضرائب ومساهمات أعلى».
وأشار وزير المالية إلى أن العلاقات بين الحكومة والبنك المركزي شهدت استقراراً، في إشارة إلى تراجع التوترات التي أعقبت تهديد توسك في 2023 بإحالة محافظ البنك المركزي إلى محكمة الدولة.
وكان توسك قد اتهم محافظ البنك الوطني البولندي، آدم غلابينسكي، المقرب من حزب «القانون والعدالة»، بسوء إدارة السياسة النقدية وتسييسها، وهو ما نفاه الأخير، متقدماً بطعن إلى البنك المركزي الأوروبي ضد ما وصفه بمحاولة غير قانونية لإنهاء ولايته الثانية الممتدة حتى 2028.
وقال دومانسكي إن «التوتر أصبح أقل»، مشيراً إلى أنه التقى غلابينسكي مرتين خلال العامين الماضيين، وأضاف: «بصفتي وزيراً للمالية، أتعامل مع استقلالية البنك المركزي بجدية تامة».
في المقابل، لا تزال العلاقات بين الحكومة والرئيس كارول ناوروكي، وهو مرشح آخر لحزب «القانون والعدالة»، متوترة بشدة. فمنذ توليه المنصب الصيف الماضي، استخدم ناوروكي حق النقض ضد عدة قوانين حكومية، بينها تشريع أعده دومانسكي لرفع الضرائب على السكر والكحول، كما أحال هذا الشهر موازنة عام 2026 إلى المحكمة الدستورية بدعوى القلق بشأن العجز والدين العام.
واتهم دومانسكي الرئيس ناوروكي بتقويض التصنيف الائتماني لبولندا، بعدما أشارت وكالات التصنيف مؤخراً إلى أن التوترات المؤسسية تعيق جهود ضبط المالية العامة.
وقال: «الرئيس يحاول زعزعة مساعينا لتحسين أوضاع المالية العامة. وكالات التصنيف تراقب ذلك عن كثب، وقد يؤثر في قراراتها… إنه خطر على بولندا».