اتفاقية تشاغوس.. توتر أمريكي–بريطاني يهدد مستقبل القاعدة الاستراتيجية
وسط ضغوط متزايدة يمارسها مسؤولون كبار في البيت الأبيض على الرئيس دونالد ترامب لوقف أو تعطيل الاتفاق الذي أبرمته الحكومة البريطانية برئاسة السير كير ستارمر،بشأن اتفاقية جزر تشاغوس، بدا أن الخلاف بين واشنطن ولندن يتجه لمزيد من التصعيد.
وتأتي هذه الضغوط مدفوعة بمخاوف أمريكية متنامية من التداعيات الأمنية والقانونية للاتفاق على المصالح الاستراتيجية المشتركة، ولا سيما الوجود العسكري في قاعدة دييغو غارسيا الحيوية في المحيط الهندي، بحسب صحيفة التليغراف.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن الإدارة الأمريكية تميل إلى عدم الاعتراف بسيادة موريشيوس على الأرخبيل، وهو ما قد يُقوّض الأساس السياسي والقانوني للاتفاق برمته.
ووفقًا لما نقلته الصحيفة عن مصادر شاركت في المناقشات، تدرس إدارة ترامب خيار التمسك بمعاهدة الدفاع الأمريكية–البريطانية الموقعة عام 1966، التي تنص صراحة على بقاء جزر تشاغوس تحت السيادة البريطانية، ورفض أي ترتيبات جديدة قد تُلغي أو تتجاوز هذه المعاهدة.
ويعكس هذا الموقف قلقًا متزايدًا داخل واشنطن من أن يؤدي نقل السيادة إلى موريشيوس، التي تُعد قريبة من الصين، إلى إضعاف الإطار الدفاعي التاريخي الذي ينظم الوجود العسكري المشترك في المنطقة.
وقد عبّر الرئيس ترامب عن هذا القلق علنًا، واصفًا خطة لندن لتسليم الأرخبيل بأنها «حماقة بالغة»، في انتقاد غير مسبوق لاتفاق أبرمته حكومة حليف تقليدي للولايات المتحدة.

وبموجب الاتفاق، تعتزم المملكة المتحدة نقل السيادة على جزر تشاغوس إلى موريشيوس، مع استئجار قاعدة دييغو غارسيا العسكرية، التي شُيّدت في سبعينيات القرن الماضي وتُعد إحدى أهم القواعد الاستراتيجية للقوات الأمريكية والبريطانية.
غير أن منتقدي الصفقة يحذرون من أن هذا الترتيب قد ينتهك معاهدة 1966، التي تضمن بقاء الجزر متاحة لأغراض الدفاع المشترك تحت السيادة البريطانية، ما قد يفتح الباب أمام إشكالات قانونية ودبلوماسية واسعة.
وتحت وطأة هذا الجدل، اضطر السير كير ستارمر إلى سحب مشروع القانون الخاص بالاتفاقية من جدول أعمال مجلس اللوردات، بعد تصاعد المخاوف من تعارضه مع الالتزامات القانونية الدولية للمملكة المتحدة، ومع الإطار التعاقدي القائم مع الولايات المتحدة.
وجاء هذا التراجع في وقت لا تزال فيه المحادثات بين لندن وواشنطن جارية لتحديث معاهدة 1966 بما يتماشى مع الترتيبات الجديدة، دون التوصل إلى اتفاق نهائي حتى الآن.
وتشير معلومات إلى أن الإدارة الأمريكية لم تُدرك في البداية الأبعاد الكاملة للاتفاق، نتيجة انشغالها بملفات أخرى في السياسة الخارجية، قبل أن تتكثف النقاشات داخل وزارة الخارجية الأمريكية بشأن تداعياته الأمنية.
ورغم استمرار قنوات الاتصال بين الجانبين، فإن الانقسام داخل الإدارة الأمريكية حول كيفية التعامل مع الاتفاق لا يزال قائمًا.
وفي هذا السياق، لعبت شخصيات سياسية بريطانية دورًا في تعميق الجدل داخل واشنطن؛ إذ ناقش وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت تفاصيل الاتفاق مع نايجل فاراج، زعيم حزب الإصلاح البريطاني، الذي يُنسب إليه على نطاق واسع لفت انتباه إدارة ترامب إلى مخاطر الصفقة. كما عبّر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في أكثر من مناسبة عن قلقه من تأثير الاتفاق على الأمن القومي الأمريكي.
كما تخشى أوساط في الحكومة البريطانية من أن يؤدي إفشال الاتفاق إلى لجوء موريشيوس إلى مسار قانوني ضد لندن، أو إلى تجاوزها والتعامل مباشرة مع واشنطن.
كما يتوقف مصير الاتفاق على ما إذا كان موقف ترامب يعكس رفضًا استراتيجيًا حقيقيًا، أم أنه يُستخدم كورقة ضغط في سياق ملفات أخرى عالقة بين الحليفين.
وعلى الصعيد الداخلي في بريطانيا، تقدم حزب المحافظين بمقترح في مجلس اللوردات يدعو إلى تأجيل التصديق على الاتفاقية إلى حين استكمال المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن معاهدة 1966، محذرًا من أن المضي قدمًا دون ذلك قد يُعرّض البلاد لانتهاك القانون الدولي. ونتيجة لذلك، جرى سحب مشروع القانون، في خطوة عكست هشاشة التوافق السياسي حول الاتفاق.
ورغم إصرار حكومة ستارمر على أن الاتفاقية ضرورية لتأمين القاعدة العسكرية المشتركة وتجنب نزاع قانوني طويل الأمد، مستندةً إلى رأي استشاري غير ملزم لمحكمة العدل الدولية صدر عام 2019، فإن الغموض القانوني والسياسي لا يزال يخيّم على مستقبل الصفقة.