الإسلام السياسي.. خطاب "متلون" وإرث من الفشل ينبئ بمستقبل مظلم

اعتادت حركات الإسلام السياسي، منذ نشأتها على مبدأ "التلون"، وتحيُّن الفرص والاصطياد في الماء العكر، للعودة بنفس أيديولوجياتها المتطرفة.
ورغم فشلها المتكرر تاريخيا في الحكم، وانتكاساتها المتعددة من الشرق إلى الغرب، إلا أن تلك الجماعات لا تمل من محاولة العودة مجددا، بتغيير في الخطاب أو الأسلوب أو استخدام "التقية" حتى تمر عواصف التصدي لها، أو حتى على دماء ورقاب الناس.
- بيان "الإخوان".. بروفات فاشلة للاحتجاج وكرات خارج المرمى
- الإخوان في ألمانيا.. ضربة برلمانية جديدة وردٌ منتظر من الحكومة
وعلى خلفية هذا التلون والإصرار على العودة بكل السبل، حاول المنتدى الافتراضي الثالث للإسلام السياسي، الذي نظمه مركز تريندز للبحوث والاستشارات على مدار يومين، وشمل ندوتين رئيسيتين، بعنوان "الأكاديميا العربية ورؤيتها للإسلاموية"، والثانية "رؤية الأكاديميا غير العربية للإسلاموية"، سبر أغوار تلك الجماعات المتطرفة والإرهابية، والوصول لفهم واضح لأيديولوجياتها، قادر على التصدي لها وإنهاء تلك الحركات للأبد.
وحاول الخبراء عبر هذا المنتدى، تتبع تلك الحركات وتفنيد أفكارها المتطرفة، وتحليل خطابها، واستشراف مستقبلها "المظلم"، المبني على إرث من الفشل، لتعزيز قيم السلام، ونشر التسامح والوئام.
الخبراء والأكاديميون المتخصصون بحركات الإسلام السياسي، أكدوا كذلك على ضرورة إجراء حوار بين المؤسسات البحثية والأكاديمية العربية والغربية لفهم ظاهرة الإسلام السياسي، أو ما يطلق عليه "الإسلاموية"، التي هددت السلام والوئام، وتستهدف الأوطان والإنسان.
وأرجع الخبراء أسباب عدم الفهم الكافي لتلك الظاهرة التي تتمدد من الشرق إلى الغرب وتعود بأنماط مختلفة إلى وجود تيار متعاطف مع "الإسلاموية" في الأكاديميات والمؤسسات البحثية الغربية، وتيار مؤدلج في نظيرتها العربية، وآخرون مترددون بين هذه وتلك في بقية العالم.
أفكار متجددة للتصدي للظاهرة
الدكتور محمد عبدالله العلي، الرئيس التنفيذي لمركز "تريندز"، أكد أن هدف المنتدى إجراء حوار بين هذه "المؤسسات البحثية والأكاديميات" حول ظاهرة الإسلام السياسي، للوصول إلى فهم أفضل لها وتفكيك خطابها المتطرف، وتحليل سلوكها، والبت في الجدليات حولها التي أثيرت منذ بدء الكتابة عنها في الربع الثاني من القرن العشرين.
وأشار إلى أن "تحقيق هذه الأهداف يسهم بخروج نتائج وتوصيات تسهم في زيادة الوعي والإدراك الأكاديمي بطبيعة هذه الظاهرة وحقيقتها".
من جانبه، أكد الدكتور خليفة مبارك الظاهري، المدير التنفيذي لمنتدى أبوظبي للسلم، الذي أدار الندوة الأولى، على ضرورة إماطة اللثام عن ظاهرة الإسلاموية، لزيادة الوعي والإدراك بطبيعتها وخطورتها على المجتمعات سواء كانت عربية أم غربية.
عزلة شعورية و"احتكار للدين"
من جانبها، أوضحت الأستاذة عائشة الرميثي، رئيس قطاع البحث العلمي بمركز تريندز، أن تحليل النصوص، والخطابات التأسيسية لتلك الظاهرة، وعلى رأسها جماعة الإخوان، كشفت عن احتكار منتسبيها للدين والحقيقة، وعزلتهم شعوريا عن المجتمع، إضافة إلى سيادة مبدأ التكفير، المسوِّغ للعنف لديهم، وكذلك غياب مفهوم المواطنة والوطنية.
وأشارت إلى أن الأزمة في دراسات التطرف والإرهاب وعلاقة الإسلاموية بهما، تبع من استثناء بعض الباحثين لجماعة الإخوان من هذه الدراسات؛ بزعم أنها جماعة سلمية.
وأوضحت أن هؤلاء الباحثين يميلون إلى دراسة العنف الجسدي أكثر من العنف الفكري أو الرمزي، رغم أنه النواة الأساسية لأي عنف جسدي لاحق.
وعبرت عائشة الرميثي عن استغرابها من ادعاء فئات كثيرة في مجتمع الجامعات ومراكز البحوث الغربية خاصة، اختلاف "الإخوان" عن بقية الجماعات المتطرفة، ووصفها على عكس الحقيقة بـ"المعتدلة".
وزاد تعجبها من اعتقاد هؤلاء الباحثين بإمكانية انخراط "الإخوان" بعملية ديمقراطية حقيقية، أو اعتبارهم يمتلكون الحد الأدنى من معايير العيش المشترك بسلام حال وصولهم للحكم.
الإسلام السياسي.. فشل تاريخي
بدوره، اعتبر الدكتور أُنس الطريقي، أستاذ الحضارة الحديثة بالجامعة التونسية، أن "الإسلام السياسي لن يكفّ عن الوجود"، مشيرا إلى أنه "ربما الآن في دورة جديدة، من مساره التاريخي"، لكنه وصف حاله بأنه في "وضع التقيّة الذي يلي فشله في العادة، بانتظار فرصة تاريخية جديدة للعودة".
ولفت إلى أن "الإسلام السياسي يعاني في الطرحين السياسي والديني، مشكلات عميقة نظريا، تجعله انحرافًا معطِّلا لبناء الدولة، وكذلك لتجديد الدين معًا".
وأشار إلى أن "المؤسسات البحثية والأكاديمية العربية تؤكد فشل الإسلام السياسي بدورته الحضارية الراهنة، وتتكهن بزوال هذه الظاهرة على الأمد البعيد، ما لم يكن قريبا".
وأوضح الطريقي أن هناك "3 مسارات للإسلام السياسي بعد موجة ما يسمى الربيع العربي التي اجتاحت عدة دول، وهي مفاهيم ارتدادية (ماضوية)، وجديدة، أو دون هوية".
وبين أن "الدراسات تستشرف تحوُّل الإسلام السياسي، إلى إسلاموية فارغة، دون أساسات نظرية أصلية للإسلام السياسي".
الرؤية الأكاديمية الغربية للإسلاموية
وحول الرؤية الأكاديمية غير العربية للإسلاموية، قالت الباحثة رهف الخزرجي، نائب مدير إدارة النشر العلمي بمركز "تريندز"، إن "تفكيك الأفكار النمطية التي أصبحت تسود كثيرًا من الدراسات الغربية حول ظاهرة الإسلام السياسي أصبح ضرورة".
وعبرت عن استغرابها حول "تبرير سلوكيات تلك الحركات"، متسائلة عن سبب تعاطف شرائح كثيرة من الباحثين الغربيين مع الإسلام السياسي، رغم خطورته الواضحة على المجتمعات والدول.
من جانبه، أشار لورينزو فيدينو، خبير شؤون التطرف بجامعة جورج واشنطن الأمريكية، إلى أن تنامي اهتمام الأكاديميات والمؤسسات البحثية الأمريكية بالشرق الأوسط، كان منذ سبعينيات القرن الماضي، وتبنى جزء كبير من الأوساط الأكاديمية الغربية، وجهات نظر متعاطفة مع الأيديولوجيات الإسلاموية.
ولفت إلى أنه في الغرب فإن "الإخوان والجماعات التي تماثلها تراوحت صورتها بين الإيجابية والتقليل من أهمية عملها أو تبريره، حيث حاولت تلك الأوساط الأكاديمية تصوير هذا العنف والتطرف كرد فعل على السياسات الغربية غير العادلة".
وأوضح أن "هناك عاملين آخرين أسهما في التعاطف الواسع مع الإسلام السياسي في الغرب؛ هما التمويل الذي قدمه رعاة من الشرق الأوسط لتلك المؤسسات الأكاديمية، أو تولي كثير من الإسلاميين، مناصب أكاديمية".
اختطاف الدين
بدروه، سلط روهان غوناراتنا، أستاذ الدراسات الأمنية في جامعة نانيانغ التكنولوجية بسنغافورة، الضوء على إساءة استخدام الدين من تلك الجماعات لتحقيق أغراض سياسية وشخصية ضيقة.
وأشار إلى التهديد المتنامي من قبل تلك الكيانات المتطرفة، التي تستخدم قوة الدين العاطفية لحشد أتباعها وتقودهم إلى القتل والموت أو ونشر أيديولوجياتهم بالقوة.
ولفت إلى أنه "تم اختطاف الإسلام من قبل حركات وتنظيمات لنشر أيديولوجياتها، بقوة وعدائية"، مشيرا إلى أن تلك الجماعات "الإسلاموية" شكلت تاريخيا تحديًا للسلام والوئام.
وأكد على ضرورة فهم أيديولوجيتها من خلال كتابات وكلمات أتباعها لمواجهة مخاطرهم، والاستفادة من الخبرات السابقة للحكومات والشركاء للحد من تهديد الإسلام السياسي.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNyA= جزيرة ام اند امز