الذكاء الاصطناعي الأخضر.. وعد يصطدم بصخرة الإفراط
تفرض تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي نفسها في جميع القطاعات، مدفوعة بضغط شركات وادي السيليكون التي تحذر من خطر التخلف عن الركب بالنسبة لمن يتأخر في التكيف.
الكفاءة لا تكفي لتقليل الاستهلاك
وقالت صحيفة "لا تريبيون" الفرنسية، إنه رغم توقع الصناعيين أن يؤدي التحسن الطبيعي في كفاءة الاستخدام للذكاء الاصطناعي إلى تقليل الاستهلاك، يشير الباحثون إلى أن الأثر البيئي لهذه الثورة لا يزال ثقيلًا حتى الآن، حيث أن أي تحسن في الكفاءة غالبًا ما يزيد الطلب ويولد سلوكيات جديدة تلغي، أو تتجاوز، المكاسب الأولية.
وأوضحت الصحيفة الفرنسية أنه حتى العمليات التي تبدو بسيطة، مثل إرسال استعلام إلى "ِشات جي بي تي" أو توليد صورة في ثوانٍ، تخفي وراءها بنية تحتية ضخمة من آلاف الخوادم، وأنظمة تبريد بالمياه، ومناجم لتوفير المواد الخام، ما يجعل الاستهلاك الطاقي كبيرًا جدًا.
تأثير الارتداد: زيادة الاستهلاك مع تحسين الكفاءة
وفقًا لوكالة الطاقة الدولية، يستهلك كل استعلام على "شات جي بي تي" حوالي 2.9 واط/ساعة، أي أكثر بعشر مرات من البحث البسيط على غوغل، ويتوقع أن يصل استهلاك مراكز البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة إلى نحو 1000 تيراواط/ساعة بحلول 2026، أي ما يعادل الاستهلاك السنوي لليابان.
في المقابل، يؤكد الباحث بنيامين نيناسي من مركز إنريا أن تقييم الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي يحتاج إلى منهجية دقيقة تأخذ في الحسبان جميع مراحل المعدات، وليس مجرد مرحلة الاستخدام.
ويرى أن أي تحسن في الكفاءة يؤدي غالبًا إلى زيادة الاستهلاك، وهو ما يعرف بـ"تأثير الارتداد"؛ أي أن تحسين الكفاءة يقلل التكلفة الجزئية للاستخدام، فيزيد الطلب ويخلق سلوكيات جديدة، فيلغي أو يتجاوز المدخرات الأولية.
هذا النمط سبق وأن لوحظ في تطور التقنيات الرقمية خلال الأربعين سنة الماضية، من الأقراص المدمجة إلى البث المباشر والفيديو عبر الإنترنت، حيث أدى كل تحسين في الكفاءة إلى زيادة كمية البيانات المستخدمة، وبالتالي ارتفاع استهلاك الطاقة. ويضيف نيناسي أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لا يحل محل محركات البحث التقليدية، بل يضيف طبقة جديدة على البنية الرقمية القائمة، مما يزيد من الاستهلاك الكلي.
كما يبرز التقرير الاستهلاك الكبير للمياه المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث أقرّت شركة مايكروسوفت بارتفاع بنسبة 34% في استهلاكها للمياه خلال عام واحد نتيجة تطوير أدواتها التوليدية، بينما يمثل تصنيع الأجهزة نحو 78% من البصمة البيئية للرقمية في فرنسا وفق تقرير مشترك بين أدامي وArcep لعامي 2022-2023.
ورغم هذه التحديات، يرى بعض الصناعيين مثل فابيان فويارد من فوغيتسو أن التوجه نحو كفاءة أكبر حتمي، ليس لأسباب بيئية فحسب، بل لأسباب اقتصادية، مؤكدًا أن الاستثمارات الضخمة ستدفع الشركات في نهاية المطاف إلى تبني مزيد من الترشيد والاعتماد على تقنيات أكثر اقتصادًا للطاقة والموارد، مثل نماذج الذكاء الاصطناعي القادرة على العمل محليًا على أجهزة الهاتف الذكي دون الحاجة لمراكز بيانات ضخمة، رغم أن هذا لا يلغي الاعتماد المستمر على البيانات عبر الإنترنت وتأثير الإنتاج على البيئة.
ويخلص الباحثون إلى أن التعامل مع الرقمية يجب أن يكون باعتبارها موردًا محدودًا، مع ترتيب الأولويات واستخدام الموارد بحكمة، مثلما يتم مع الموارد الحيوية الأخرى، في ظل غياب الشفافية الكاملة حول استهلاك البيانات لدى المنصات الكبرى، مما يزيد صعوبة اتخاذ قرارات فعالة للحفاظ على البيئة.