سياسة

"النصرة".. المال قطري والسلاح تركي

الأربعاء 2019.1.9 12:44 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 934قراءة
  • 0 تعليق
حسين الشيخ

يتغير المشهد السوري وتتطور الأحداث فيه بشكل يصعب على المتابع وضع نهاية واضحة له، فبعدما هدأت الجبهات بين القوات النظامية وفصائل المعارضة المسلحة على امتداد مساحة البلاد؛ عادت جبهة النصرة الذراع العسكرية للقاعدة في سوريا لتشنَّ واحدةً من أكبر عملياتها العسكرية ضد ما تبقى من فصائل معارضة تُوصَف بالمعتدلة من قبل الدول المؤثرة في الأزمة السورية.

تتوسع النصرة أكثر لتصل إلى مرحلة مناصفة المشهد على الأرض مع القوات السورية، إذ وصل الأمر حد الحديث عن قوتين عسكريتين تسيطران على مساحات واسعة من سوريا الآن فحسب، هما الجيش السوري مع مراعاة تفاهمه مع الأكراد الذين يعتبرونه الحامي حدود البلاد والقوة الدستورية التي لا مشكلة لهم في التعامل معها، وعناصر النصرة مع بعض المتفرقات هنا وهناك.

أنقرة منزعجة كثيرا من مساعي التقارب السوري العربي، فلهذا تداعيات كبيرة قد تكون هي أبرز أهدافه، من خلال تشكيل جبهة عربية واحدة تضم مصر والأردن والسعودية والإمارات بالإضافة إلى سوريا، تعمل على إيقاف المد التركي داخل الأراضي السورية والشمال على وجه التحديد

من خلال متابعة تسلسل الأحداث السورية نجد أنّ الفصيل الوحيد الذي كان يتمتع بحرية الحركة والتنقل بين سوريا وباقي الدول هي العناصر التابعة لجبهة النصرة، ففي الوقت الذي كان هؤلاء يجوبون العالم بحثا عن المال والرجال كانت أنقرة تحتجز ضباط الجيش الحر في معسكرات مانعة إياهم من التحرك والتنسيق فيما بينهم، تاركة الساحة للنصرة ومن لفّ لفيفها، فهي تدرك تماما أنّه لا يمكنها السيطرة كثيرا على ضباط سوريين يعرفون حساسية العلاقات التركية السورية ورغبة أنقرة الجامحة في السيطرة على المشهد السوري، ومن الصعب عليها تطويهم بالشكل المطلوب الذي يخدم مشروعها، لذلك كانت تبحث عن أداة تنفذ من خلالها مشاريعها التوسعية في أراضي جارتها الجنوبية، لتجد من ينفذ لها ذلك وبثمن أقل وهي جبهة النصرة التي تتشارك مع تنظيم الإخوان المسلمين (حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا) ذات المعتقدات كما قال قائدها "أبو محمّد الجولاني".

لماذا تحركت النصرة في هذا التوقيت؟

السبب الرئيس في إكمال النصرة ابتلاع الفصائل المعارضة الأخرى وتسخين الجبهات هو تركيا وقطر وهذا يعود لجملة من الأسباب:

أولها أنّ أنقرة منزعجة كثيرا من مساعي التقارب السوري العربي، فلهذا تداعيات كبيرة قد تكون هي أبرز أهدافه، من خلال تشكيل  جبهة عربية واحدة تضم مصر والأردن والسعودية والإمارات بالإضافة إلى سوريا، تعمل على إيقاف المد التركي داخل الأراضي السورية والشمال على وجه التحديد.

ثانيها أنّ الدوحة  التي كانت تتصدر المشهد وتلعب في الساحة السورية كما تشاء بات اسمها لا يُذكر في المحافل الدولية الباحثة عن تسوية الوضع السوري، لذلك أرادت ألا تذهب "جهودها التخريبية" بسوريا عبثا من خلال تحريك اللاعب الرئيس لها على الساحة وهو جبهة النصرة، لتحجز لذاتها مكانا على خط المفاوضات الدولية واستثمار ذلك مع روسيا التي تحتاج في كثير من الأحيان لطرف ثالث غير تركيا يجنبها فتح جبهة عسكرية مع النصرة خاصة في إدلب، وهذا ما زالت تقدر عليه قطر رغم تراجع  حدة تأثيرها في الساحة السورية إلى حد كبير.

ثالثها يتمثل بتراجع الملف السوري لدى الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تعتزم سحب قواتها من سوريا مما يثقل كاهل الأتراك والقطريين بإيجاد أطراف دولية تمضي معهما نحو مشروعهما بسوريا بتغيير نظامها والوصول إلى نظام يخدم الدولتين اللتين تنتهجان وتتبنيان ذات الفكر الأيديولوجي.

المال قطري والسلاح تركي والدم المسفوح سوري، وهذا ما يقود في الواقع لأمر لا يمكن تجاهله وهو العنصر البشري الذي تمتلكه النصرة على الأرض، فأغلب هؤلاء من السوريين سواء المؤمنون بسلوكها الدموي أم المجبرون على ذلك، وعليه لا بدّ من تطويق تحركاتها قبل استثمار ذلك عسكريا وسياسيا من تركيا وقطر على حد سواء، فهاتان الدولتان لا تكترثان كثيرا إذا ما سقط المزيد من السوريين على مذبح الأزمة المندلعة منذ نحو ثماني سنوات لتحقيق أهدافهما المتطرفة، ويكون ذلك بسرعة تشكيل تحالف عربي قوي يجنب سوريا مزيدا من الدماء ويحفظ وحدتها واستقرارها ويضع حدا للتدخلات التركية فيها ويتفاهم مع حكومتها على طرد إيران من البلاد.. عندها نستطيع القول إنّ قلب العروبة بات ينبض من جديد.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات