ثقافة

الشاعر الفلسطيني موسى حوامدة يكتب..ذكريات رمضانية

الأحد 2018.5.20 01:51 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 1069قراءة
  • 0 تعليق
الشاعر الفلسطيني موسى حوامدة

الشاعر الفلسطيني موسى حوامدة

في المرحلة الإعدادية، صار أبي يجبرني على الوقوف معه في بقالته بعد المدرسة، وكان يعتمد عليّ في البيع وتسجيل الديون، وصار يصطحبني معه في ليالي رمضان، لنفطر جماعة مع أقاربه في جامع العائلة، وربما كانت تلك الليالي من أجمل الليالي التي عشتها في البلد، ومن أجمل الذكريات عن شهر رمضان.

 كان أبي يبدأ بعد الأذان بقليل بفرم حبات البندورة بيده، ثم يسكب عليها قليلاً من تنكة الطحينة ذات الرائحة الشهية، التي يشتريها من مدينة الخليل قبل رمضان، ويبيع منها في البقالة للزبائن، ويحضر غيرها كلما أوشكت على النفاد، كانت رائحة البندورة تفوح ما أن يبدأ بالفرم، أما رائحة الطحينة فهي أشبه بالمخدر للصائم الذي تصبح حاسة الشم عنده أقوى كلما اقترب موعد الأذان.

وبالطبع كانت أمي ترسل صينية أو طبقاً مما تطبخ يومياً.

وما أن يقترب موعد الأذان حتى يحمل هو صحن السلطة الذي تظل عيني عليه، ويطلب مني حمل طبق البيت، ونغلق باب البقالة، ونتوجه إلى الجامع، وهو بيت عتيق يتجمع فيه رجال العائلة في المناسبات، ويقضون ليالي رمضان فيه.

قبل الوصول إلى الجامع، أشم رائحة القهوة وأسمع دق المهباج، وما أن نصل حتى أرى بعض الرجال يشعلون النار، ويضعون أباريق القهوة والشاي على الحطب، كنت أحب منظر النار وهي تتراقص وتتحرك فوقها قلاية تحمِّص فيها حبّات القهوة، حتّى تتصاعد رائحة البن الشهية، وبعد ذلك أحب صوت المهباج، وهم يدقون حبات القهوة، بينما يبدأ صوت إبريق الشاي الكبير بالغليان.

 وقبل دقائق من أذان المغرب يبدأ الرجال بالتوافد، وكل واحد يحمل صحنه، وحينما يضع الجميع صحونهم وأطباقهم، أجلس مقابل طبقنا وصحن سلطة أبي، وما أن يرتفع أذان المغرب، سرعان ما يتلاشى صحن السلطة وطبق أمي، فكل الأيدي تمتد نحوهما، وتفرغ دائماً أول الصحون، فنضطر لنغمس من صحون مختلفة، ولكن طعمها لم يكن يعجبني، فأتظاهر بالشبع. وبعد تناول الطعام، ينهضون لصلاة المغرب، ثم يديرون القهوة والشاي على بعضهم، ويبدأون ليالي السمر الشيقة. لكن أبي لم يكن يمكث بعد الصلاة، فيذهب لفتح البقالة، ولكنه لا يصر على قدومي معه مباشرة، فأظل أستمتع بالسهرة والقصص التي يبدأ الرجال بسردها، وقد أساعد بعض الكبار على النهوض أو جلب كاسات الماء أو الشاي أو فناجين القهوة السادة.

 كل تلك الأجواء كانت تستهويني، لكن الأمر الوحيد الذي كان يزعجني هو التهامهم طعامنا، وفي يوم من الأيام تجرأت، وقلت لأبي: خلينا نفطر في الدكانة اليوم، ونذهب للجامع بعد الإفطار، استغرب ما أقول، واستفهم عن السبب فقلت: "إنهم يشلفون طعامنا، ويتسابقون عليه وعلى صحن السلطة، وطعامهم ليس طيباً"، فقال: إذن خليك افطر عند أمك. ولما رفضت، قال: اسمع نحن لا نأخذ طعامنا هذا لنأكل منه، بل من أجل الآخرين، ومن أجل الأجر، أنت ترى أن أغلب الناس فقراء، هل ترى الحاج عطا الله ماذا يحضر معه، لا يملك شيئاً، فهو يحضر كل ليلة صحناً، يقال عنه شوربة عدس، والعلم عند الله أن حبات العدس كانت تعد بالواحدة، فإذا كنت تأتي معي لكي تملأ بطنك من طعام أمك، فاذهب وافطر عندها، قلت: لا، لا، أنا لن أمد يدي لطعامنا، أحب "الجَمعة"، والأحاديث، وليالي السمر بعد صلاة العشاء، قال: إذن عوِّد نفسك أن تأكل مما تجد أمامك، فكل مَن تأكل من طعامه يكسب أجراً، ونحن نكسب أجراً، لأن الآخرين يأكلون من طعامنا.


 كانت تلك الطقوس والليالي رائعة، حيث كنت أسمع النوادر والقصص والحكايات، والأغاني الشعبية، وذكريات الرجال عن أيام زمان، وبعض الأحداث التي جرت قديماً، وكثيراً ما كان يأتي للجامع عابرو طريق، أو من تقطعت بهم السبل، أو تجار تأخروا عن العودة، أو بعض البدو القريبين من بلدتنا، وكانوا يروون حكاياتهم، وينامون في الجامع، وكثيراً ما كان بعضهم يبدأ بقراءة القرآن، والكل يستمع، ويذهب البعض للحديث عن البلاد التي ضاعت، وعن أيام الملح والبرتقال في فلسطين، وكيف كانوا يذهبون للعمل هناك، والبعض كان يتحدث عن أيام الأتراك، ونادراً ما كان الحضور يتوقفون عن الحديث والسمر وحتى اللهو المرح، انقطعت تلك العادة قبل أن أكمل الثانوية، وتفرق الناس، وصاروا يفطرون في بيوتهم، ولكن طعم تلك الليالي، ومذاق الطعام البسيط الذي كان يجلبه الآخرون لا يفارق خاطري حتى اليوم.

تعليقات