تحصين القواعد خوفا من المسيرات.. روسيا تودع «القاذفات العارية»
شرعت موسكو في تنفيذ مشروع واسع النطاق لبناء ملاجئ، في خطوة تعكس تحولاً عميقاً في العقيدة العسكرية الروسية.
تهدف هذه الخطوة، لتحصين قاذفاتها الاستراتيجية داخل قاعدة إنجلز الجوية، أحد أهم معاقل الطيران بعيد المدى في البلاد.
ويأتي هذا التحرك بعد سنوات من اعتماد القوات الجوية الروسية على سياسة إبقاء قاذفاتها الثقيلة مكشوفة في العراء، وهو نهج يعود إلى حقبة الحرب الباردة واستمر حتى في ظل الحرب الدائرة مع أوكرانيا، بحسب تقارير إعلامية.
صور أقمار صناعية حديثة التُقطت خلال يونيو/ حزيران 2026 كشفت عن أعمال بناء متسارعة داخل القاعدة الواقعة في منطقة ساراتوف جنوب شرقي روسيا، حيث يجري تشييد سلسلة من الملاجئ الضخمة المصممة خصيصاً لاستيعاب القاذفات الاستراتيجية من طرازي «تو-95 إم إس» و«تو-160»، وهما العمود الفقري لقدرات الضربات بعيدة المدى الروسية.
وتظهر الصور إنشاء ما لا يقل عن 17 ملجأً منفصلاً بأحجام غير مسبوقة مقارنة بالملاجئ التقليدية التي شُيدت سابقاً في قواعد جوية أخرى.

ويعكس هذا المشروع، إدراكاً متزايداً لدى موسكو لحجم التهديد الذي فرضته الهجمات الأوكرانية بعيدة المدى خلال السنوات الأخيرة، إذ تحولت قاعدة إنجلز إلى أحد أبرز أهداف الطائرات المسيّرة الأوكرانية نظراً لأهميتها الاستراتيجية.
وتستضيف القاعدة، الفرقة الثانية والعشرين للطيران الثقيل، التي تضم أسطول قاذفات «تو-160» الوحيد في الخدمة الروسية إلى جانب عدد كبير من قاذفات «تو-95».
ولعبت هذه الطائرات دوراً رئيسياً في تنفيذ الضربات الصاروخية ضد أهداف داخل أوكرانيا منذ اندلاع الحرب.
وخلال الأعوام الماضية، تعرضت القاعدة لسلسلة متكررة من الهجمات التي كشفت هشاشة الأصول الجوية الروسية أمام تهديدات منخفضة التكلفة وعالية الفعالية، وفق التقارير.
ففي عام 2025 استهدفت طائرات مسيّرة أوكرانية منشآت تخزين الذخائر والوقود داخل القاعدة، ما أدى إلى اندلاع حرائق واسعة وأضرار لوجستية كبيرة.
كما سبق أن تعرضت إنجلز لهجمات متكررة منذ أواخر عام 2022، في مؤشر على قدرة أوكرانيا المتنامية على ضرب أهداف تقع على مسافات بعيدة داخل العمق الروسي.
ولسنوات، حاولت موسكو التعامل مع هذا التهديد عبر إجراءات مؤقتة وارتجالية شملت توزيع الطائرات على مسافات متباعدة داخل القواعد الجوية، وبناء حواجز واقية للحد من تأثير الانفجارات والشظايا، فضلاً عن استخدام وسائل تمويه غير تقليدية مثل رسم ظلال الطائرات على الأرض أو وضع إطارات سيارات فوق الأجنحة وهياكل القاذفات بهدف إرباك أنظمة الاستهداف المعتمدة على الصور.

إلا أن هذه التدابير لم توفر حماية حقيقية للأصول الجوية الأكثر قيمة، خصوصاً القاذفات الاستراتيجية التي ظلت مكشوفة بشكل شبه كامل.
أما اليوم، فيبدو أن روسيا قررت الانتقال من الحلول المؤقتة إلى استراتيجية دفاعية أكثر استدامة. فالملاجئ الجديدة، التي بدأ العمل عليها فعلياً منذ عام 2025، لا تهدف فقط إلى توفير حماية مادية من هجمات المسيّرات والذخائر الدقيقة.
بل تمنح أيضاً ميزة استخباراتية مهمة عبر إخفاء أماكن تمركز الطائرات وتحركاتها، ما يصعّب على الخصوم جمع المعلومات الدقيقة وتخطيط الهجمات المستقبلية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية استثنائية بسبب طبيعة الطائرات التي يجري تأمينها. فالقاذفات الاستراتيجية الروسية ليست مجرد منصات تقليدية للضربات الجوية، بل تمثل أحد المكونات الرئيسية للثالوث النووي الروسي.
كما أن معظم هذه الطائرات لم تعد تُنتج منذ عقود، فيما تسير برامج تحديث وإعادة إنتاج بعض الطرازات بوتيرة بطيئة، ما يجعل خسارة أي منها ضربة يصعب تعويضها على المستويين العسكري والاستراتيجي.
ويتجاوز تأثير هذه التطورات حدود الحرب الروسية الأوكرانية، إذ يعيد إلى الواجهة نقاشاً عالمياً متصاعداً حول مستقبل حماية الطائرات العسكرية في عصر المسيّرات والصواريخ الدقيقة.
فمع تزايد قدرة الأنظمة غير المأهولة على اختراق الدفاعات والوصول إلى أهداف بعيدة بتكاليف محدودة، بدأت جيوش عدة تعيد النظر في فلسفة الاعتماد على الدفاعات النشطة وحدها، وتتجه نحو تعزيز البنية الدفاعية السلبية من خلال بناء الملاجئ والتحصينات الأرضية.
وفي هذا السياق، تبدو أعمال البناء الجارية في إنجلز أكثر من مجرد مشروع هندسي أو إجراء احترازي مؤقت؛ فهي تعكس اعترافاً روسياً ضمنياً بأن طبيعة الحروب الحديثة تغيرت بصورة جذرية.
إذ إن الهجمات الأوكرانية المتكررة أثبتت أن القواعد الجوية الكبرى لم تعد بمنأى عن التهديد، وأن الأصول الاستراتيجية الأكثر قيمة يمكن أن تصبح أهدافاً سهلة إذا بقيت مكشوفة في العراء.
وبذلك، تمثل التحصينات الجديدة إعلاناً عملياً عن نهاية مرحلة طويلة من الاعتماد على ما يمكن وصفه بعقيدة «القاذفات العارية»، وبداية عصر جديد باتت فيه حماية الطائرات الاستراتيجية على الأرض جزءاً لا يتجزأ من معادلة الردع والبقاء في ميادين الصراع الحديثة.