كلمة السر وصفة طهي.. قصة أخطر جاسوس أمريكي داخل موسكو
في خضم الحرب الباردة، وبينما كانت أجهزة الاستخبارات الأمريكية تفتش بلا كلل عن أي خيط يكشف ما يدور خلف الستار الحديدي، ظهرت إشارة غامضة بدت للوهلة الأولى بلا قيمة.
ففي عام 1984، لفت انتباه محللي وكالة المخابرات المركزية الأمريكية نشر مجلة سوفياتية لوصفة طهي تخص طائر الغرة، وهو طائر مائي شائع في أوروبا الشرقية.
ووفقا لموقع هيستوري، لم يكن الأمر يتعلق بالطهي أو الحياة البرية، بل كان رسالة مشفرة متفقاً عليها مسبقاً بين واشنطن وأحد أهم مصادرها داخل الاتحاد السوفياتي، تشير إلى أن صاحبها يواجه خطراً داهماً.
وبعد فترة وجيزة، اختفى ديمتري بولياكوف، الرجل الذي اعتبره كثيرون أحد أعظم العملاء المزدوجين في تاريخ التجسس الحديث.
على مدار نحو 25 عاماً، زود بولياكوف الولايات المتحدة بكم هائل من المعلومات السرية من قلب المؤسسة العسكرية السوفياتية، حتى أصبح اسمه أسطورة داخل أروقة الاستخبارات الأمريكية.
ولم تقتصر أهمية ما قدمه على كشف أسرار عسكرية واستراتيجية فحسب، بل ساعد أيضاً في تشكيل السياسات الأمريكية تجاه الصين والاتحاد السوفياتي، ومنح صناع القرار في واشنطن فهماً غير مسبوق للعقلية العسكرية والسياسية لموسكو خلال أكثر مراحل الصراع الدولي توتراً.
من ضابط سوفياتي مثالي إلى عميل داخل المنظومة
وُلد ديمتري بولياكوف عام 1921 فيما يُعرف اليوم بأوكرانيا، وخدم في الجيش السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية قبل أن يلتحق بالاستخبارات العسكرية السوفياتية.

بالنسبة لرؤسائه، بدا نموذجاً مثالياً للضابط المنضبط؛ رجل هادئ، ملتزم بالقواعد، ويتقدم بثبات في سلم المؤسسة الأمنية. لكن خلف هذه الصورة التقليدية كان بولياكوف يعيش صراعاً مختلفاً.
فمع مرور السنوات، بدأ يشعر بخيبة أمل متزايدة تجاه القيادة السوفياتية، التي رأى أنها غرقت في الفساد والبيروقراطية وفقدت المبادئ التي ضحى من أجلها جيله خلال الحرب العالمية الثانية.
وعندما أُرسل إلى نيويورك ضمن البعثة السوفياتية لدى الأمم المتحدة، اتخذ القرار الذي سيغير حياته ومسار الحرب الباردة معاً، فعرض خدماته سراً على وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سي آي إيه".
لم يكن دافعه المال أو الرغبة في الهروب إلى الغرب، بل قناعة راسخة بأن النظام السوفياتي انحرف عن أهدافه الأصلية. وقد وصفه مسؤولون أمريكيون لاحقاً بأنه كان يعتبر نفسه وطنياً روسياً يعمل من أجل مستقبل بلاده، لا خائناً لها.
كنز استخباراتي غيّر موازين الحرب الباردة
في البداية، تعامل الأمريكيون بحذر شديد مع الضابط السوفياتي الذي عرض التعاون معهم. غير أن شكوكهم تبددت تدريجياً مع تدفق المعلومات الدقيقة والحساسة التي قدمها.
والمثير أن بولياكوف رفض الحصول على مبالغ مالية كبيرة مقابل خدماته، واكتفى بمكافآت متواضعة تمثلت في أدوات كهربائية ومعدات صيد وبنادق رياضية، وهو ما عزز قناعة الأمريكيين بأن دوافعه أيديولوجية أكثر منها مادية.
اعتمد العميل السوفياتي على أساليب مبتكرة لنقل المعلومات، من بينها استخدام مخابئ سرية داخل معدات الصيد وأحجار مزيفة ورسائل مشفرة.
وبفضل موقعه المتقدم داخل الاستخبارات العسكرية السوفياتية، تمكن من الوصول إلى كنز هائل من الوثائق والتقارير الاستراتيجية التي كشفت الكثير من أسرار موسكو العسكرية.
من بين أهم إنجازاته الاستخباراتية تزويد واشنطن بمعلومات أكدت عمق الخلاف بين الاتحاد السوفياتي والصين، وهو ما ساعد الولايات المتحدة على استغلال الانقسام التاريخي بين القوتين الشيوعيتين وتعزيز علاقاتها مع بكين.
كما قدم تفاصيل دقيقة عن القدرات العسكرية السوفياتية، وخطط التسلح، والأهداف التكنولوجية التي كانت موسكو تسعى للحصول عليها من الغرب.
وتشير تقديرات مسؤولين سابقين في الاستخبارات الأمريكية إلى أن حجم الوثائق التي سرّبها بولياكوف كان ضخماً إلى درجة أنه ملأ عشرات الأدراج بالأرشيفات والتقارير السرية. وقد اعتُبرت هذه المعلومات من أهم مصادر المعرفة الأمريكية بالاتحاد السوفياتي خلال العقود الأخيرة من الحرب الباردة.
النهاية الغامضة.. من كشف هوية «القبعة العلوية»؟
في عام 1980، استُدعي بولياكوف بشكل مفاجئ إلى موسكو، ثم اختفى تدريجياً من دائرة الاتصالات مع الأمريكيين. ومع تزايد عمليات اعتقال العملاء الغربيين داخل الاتحاد السوفياتي خلال الثمانينيات، بدأت المخاوف تتصاعد بشأن مصيره.
وجاءت الصدمة عام 1990 عندما نشرت صحيفة "برافدا" السوفياتية اعترافاً نادراً أكدت فيه أن بولياكوف أُلقي القبض عليه بتهمة التجسس لصالح الولايات المتحدة، وأنه أُعدم رمياً بالرصاص عام 1988. وكان الإعلان استثنائياً لأن موسكو نادراً ما كشفت للرأي العام عن قضايا تتعلق بكبار ضباط أجهزتها الاستخباراتية.
ولسنوات طويلة، اعتقدت واشنطن أن العميل الأمريكي ألدريتش أميس هو من كشف هوية بولياكوف للسوفيات. لكن التحقيقات اللاحقة كشفت أن روبرت هانسن، العميل السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي تجسس لصالح موسكو، لعب أيضاً دوراً محورياً في فضح أحد أهم مصادر الولايات المتحدة داخل الاتحاد السوفياتي.

ورغم الجدل الذي استمر لسنوات حول ما إذا كان بولياكوف قد بقي مخلصاً للأمريكيين حتى النهاية أم تعرض للخداع والتضليل في سنواته الأخيرة، فإن معظم المسؤولين الذين تعاملوا معه ظلوا مقتنعين بولائه الكامل.
فالرجل خاطر بحياته لعقود داخل واحدة من أكثر المؤسسات الأمنية انغلاقاً في العالم، وقدم معلومات يعتقد كثير من المؤرخين أنها ساعدت في تجنب سوء تقديرات خطيرة بين القوتين النوويتين الأعظم.
لهذا لا يُذكر اسم ديمتري بولياكوف في تاريخ التجسس باعتباره مجرد عميل مزدوج ناجح، بل باعتباره أحد الرجال الذين ساهموا، من خلف الستار، في منع الحرب الباردة من التحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين واشنطن وموسكو.
وبينما انتهت حياته أمام فرقة إعدام سوفياتية، بقي إرثه حاضراً في تقييمات أجهزة الاستخبارات الغربية بوصفه واحداً من أكثر الجواسيس تأثيراً في القرن العشرين.