سيدانكا.. «قرية الشجاعة المنسية» في أقصى روسيا
في أقصى شرق روسيا، في شبه جزيرة كامتشاتكا المطلة على المحيط الهادئ، تقبع قرية سيدانكا الصغيرة.
لا يتجاوز عدد سكان القرية 250 نسمة، لكن اسمها ارتبط بالحرب الدائرة في أوكرانيا بعدما غادر العشرات من رجالها إلى الجبهة، في واحدة من أعلى نسب التجنيد مقارنة بعدد السكان في المنطقة.
وبين منازل خشبية متداعية تعود إلى الحقبة السوفياتية، وشوارع ترابية تغمرها مياه الصرف، يعيش سكان القرية واقعًا يختلط فيه الفقر بالتضحية، والوعود الرسمية بالخذلان، بحسب صحيفة نيويورك تايمز.
قرية أصلية على هامش الدولة
تُصنَّف سيدانكا ضمن ما يُعرف في روسيا بـ«القرى الوطنية»، إذ ينحدر سكانها من شعوب الشمال الأصلية، لا سيما الكورياك والإيتلمن، الذين عاشوا تقليديًا على رعي الرنة وصيد الأسماك وزراعة الخضروات.
خلال الحقبة السوفياتية، حافظت القرية على قدر من الاستقرار الاقتصادي، لكن انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينيات وخصخصة الأراضي وحقوق الصيد - بما في ذلك نهر نابانا القريب - جرّدا السكان من مصادر رزقهم التقليدية. ومع مرور الوقت، تحولت سيدانكا إلى مجتمع معزول يعتمد على رحلات مروحية متباعدة، ويعيش كثير من سكانه على قروض من متاجر البقالة المحلية.
الحرب كفرصة نجاة

عندما بدأت الحرب الروسية في أوكرانيا، وجد كثير من رجال سيدانكا في التجنيد مخرجًا من ضيق الحال. فمن أصل 67 رجلًا في سن العمل، تطوع 39 للقتال على بعد أكثر من سبعة آلاف كيلومتر غربًا.
تقدم السلطات الإقليمية في كامتشاتكا حوافز مالية سخية نسبيًا: مكافأة تجنيد تصل إلى نحو 33 ألف دولار، وراتب شهري يقارب 5200 دولار - مبالغ تُعد ثروة في قرية كان الصياد فيها يجني نحو 1500 دولار كل بضعة أشهر.
لكن الثمن كان باهظًا. فوفقًا لسكان محليين، قُتل أو فُقد 19 من رجال القرية يُعتقد أنهم لقوا حتفهم، إذ لا تصدر موسكو أرقامًا رسمية عن الخسائر البشرية.
وعد بلقب «قرية الشجاعة العسكرية»
في صيف 2023، زار حاكم إقليم كامتشاتكا فلاديمير سولودوف سيدانكا، وأعلن عبر قناته على تطبيق تيليغرام نيته منحها لقب «قرية الشجاعة العسكرية»، تكريمًا «لبطولة أهلها».
اللقب مستمد من تقليد سوفياتي مُنح لمدن صمدت في معارك الحرب العالمية الثانية، وأعاد الرئيس فلاديمير بوتين إحياءه خلال العقدين الماضيين لتعزيز الارتباط بإرث «الحرب الوطنية العظمى».
كان الإعلان لافتًا، إذ ستكون سيدانكا أول قرية تُمنح هذا اللقب على خلفية الحرب في أوكرانيا. ووُعدت عائلات المقاتلين بحزمة مساعدات واسعة.
لكن، بحسب السكان، لم يتحقق الكثير. فباستثناء شحنة حطب واحدة، لم تصل مساعدات ملموسة، ولم يُستكمل منح اللقب رسميًا. أما تمثال لينين في ساحة القرية فقد استُبدل بتمثال جندي يحمل حمامة، في إشارة رمزية، لكن الحياة اليومية لم تتغير.

تقول سفيتلانا زاخاروفا، عضوة مجلس القرية ورئيسة رابطة الشعوب الأصلية في الشمال، وأرملة أحد القتلى: «لو منحونا اللقب فعلًا، كيف سيعرضون القرية للعالم بهذا الخراب؟ الناس هنا لا يملكون شيئًا».
في سيدانكا، حيث يقل عدد الرجال القادرين على جمع الحطب لفصل الشتاء، تذوي أحاديث اللقب الموعود. فبعض السكان ما زالوا يرون فيه عزاءً معنويًا، لكن آخرين يعتبرونه مجرد لفتة رمزية لا تغيّر من واقع القرية المنسية.
وفي نهاية المطاف، تبقى سيدانكا مثالًا على التناقض بين البطولة الفردية وبرودة الدولة؛ قرية صغيرة دفعت ثمنًا كبيرًا في حرب بعيدة، ولا تزال تنتظر اعترافًا قد لا يأتي.