الحرب الهجينة.. سلاح موسكو «الأخطر» في مواجهة الغرب
حذّر شون ويسويسر، الرئيس السابق لإحدى محطات وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، من أن روسيا تخوض حرباً هجينة غير مسبوقة تتجاوز حدود المواجهات العسكرية التقليدية.
واعتبر أن الديمقراطيات الغربية تتعامل مع هذا التهديد بقدر كبير من التراخي، بل إنها "تتجنب الاستعداد له عن عمد".
وشدد ويسويسر، على أنه يتحدث بصفته الشخصية وليس ممثلاً للوكالة، مشيرًا إلى أن موسكو وسّعت نطاق عملياتها لتشمل الهجمات السيبرانية، والحرب المعرفية، وأعمال التخريب، ومحاولات الاغتيال، في تصعيد وصفه بأنه الأكثر جرأة منذ عقود.
ويشير المسؤول الاستخباري السابق إلى أن أجهزة الاستخبارات الروسية لا تزال تعتمد على تقنيات تجسس كلاسيكية أثبتت فعاليتها على مر السنين، رغم التطور الهائل في أدوات المراقبة والتكنولوجيا، بحسب صحيفة «التليغراف».
من بين هذه الأساليب ما يُعرف بعمليات "التسليم السري"، التي تُنفذ في أماكن نائية بعيداً عن الأنظار، باستخدام إشارات بسيطة تُترك على الأشجار أو أعمدة الهاتف أو الجدران لتحديد مواقع إيداع الأموال أو الوثائق.
وتُغلّف المواد بعناية داخل أكياس محكمة الإغلاق، بينما يتولى عميل آخر استلامها لاحقاً دون أي تواصل مباشر مع الطرف الذي تركها، في نموذج يعكس استمرار التمسك بالتقاليد الاستخبارية التي رسختها موسكو على مدار عقود.
كتاب يوثق عقلية الاستخبارات الروسية
وبعد مغادرته وكالة الاستخبارات المركزية قبل عامين، أصدر ويسويسر كتاباً بعنوان "الأساليب والتكتيكات والحيل القذرة: المخابرات الروسية وحرب بوتين السرية"، سعى من خلاله إلى تسليط الضوء على طبيعة التفكير العملياتي داخل أجهزة الاستخبارات الروسية.
واستند في الكتاب إلى معلومات متاحة للعامة ومصادر مفتوحة، إضافة إلى خبراته المهنية التي لم يتمكن من الإفصاح عن كثير منها بسبب القيود المفروضة على العاملين السابقين في الوكالة.
وأوضح أن إعداد الكتاب استلزم مراجعة دقيقة من جانب مسؤولي الوكالة للتأكد من خلوه من أي معلومات سرية، مؤكداً أن هدفه كان جمع وتحليل كم كبير من المعلومات المنشورة التي لم تُقرأ سابقاً في سياق واحد، بما يجعل الكتاب بمثابة دليل مفتوح المصدر لفهم منهجية العمل الاستخباري الروسي وأساليبه.
ويتناول الكتاب عدداً من الأساليب التي ارتبطت تاريخياً بالاستخبارات الروسية، «بينها استخدام الإغراء الجنسي كوسيلة لتجنيد المصادر أو انتزاع المعلومات الحساسة»، وهي الظاهرة التي يُشار إليها داخل الأوساط الاستخبارية الروسية باسم "طائر السنونو".
ويستشهد ويسويسر بما أورده الضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية والكاتب جيسون ماثيوز في سلسلة روايات "العصفور الأحمر"، والتي تحدث فيها عن وجود مؤسسة تدريبية متخصصة لإعداد عناصر لهذا النوع من العمليات.
ورغم أن هذه المعلومات وردت في إطار عمل روائي، فإن ويسويسر يؤكد أنه لا يجد ما يدعو للتشكيك فيها، لافتاً إلى أن عدداً من المنشقين الروس أبلغوه بوجود مثل هذه البرامج التدريبية بالفعل.
فرصة الغرب
ويخصص ويسويسر جانباً من كتابه للحديث عن المشكلات البنيوية داخل أجهزة الاستخبارات الروسية، مستشهداً بقصة ضابط شاب في جهاز المخابرات الخارجية الروسي اكتشف خلال فترة تدريبه أن تقييمه المهني تأثر برشوة تلقاها أحد المدربين، ما حرمه من الحصول على أعلى الدرجات رغم تفوقه.
ويرى أن مثل هذه الوقائع تكشف عن ثقافة مؤسسية تعاني من الفساد والمحسوبية، وهو ما ينعكس سلباً على كفاءة الأجهزة الأمنية ويؤدي في كثير من الأحيان إلى تراجع ثقة الضباط في مؤسساتهم.
ويؤكد المسؤول الأمريكي السابق أن هذه الأجواء، إلى جانب تداعيات الحرب في أوكرانيا وما تسببت فيه من استياء داخل بعض الأوساط الروسية، تمثل فرصة مواتية أمام أجهزة الاستخبارات الغربية لتجنيد عناصر جديدة من داخل المنظومة الأمنية الروسية.
ويذهب إلى حد توجيه رسالة مباشرة عبر كتابه إلى ضباط جهازي المخابرات الخارجية والأمن الفيدرالي الروسي، داعياً إياهم إلى إعادة النظر في ولائهم، معرباً عن قناعته بأن الضباط الأكثر كفاءة وخبرة هم الأكثر اهتماماً بقراءة هذا النوع من المؤلفات، وأن الرسائل التي يتضمنها الكتاب قد تجد صدى لدى بعضهم.
ويختتم ويسويسر تحذيراته بالتأكيد على أن روسيا باتت أكثر جرأة في توظيف أدوات الحرب الهجينة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، في وقت لا يزال الغرب، بحسب رأيه، يفتقر إلى رؤية متماسكة للتعامل مع هذا النوع من الصراعات.
ويرى أن تجاهل هذه التحديات أو التقليل من خطورتها يمنح موسكو مساحة أوسع للمناورة، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني الدولي في السنوات المقبلة، ما يستدعي استعداداً أكبر واستجابة أكثر فاعلية من جانب الدول الغربية.