سياسة

ألف باء الرشاقة.. الدبلوماسية السعودية

الأربعاء 2018.5.2 09:10 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 513قراءة
  • 0 تعليق
د. سمير صالحة

يعرّف البعض الرشاقة بأنها مقدرة الفرد على تغيير أوضاع جسمه في الهواء وعلى الأرض، وهناك مَن يقول أيضا إن الرشاقة تعني قدرة الفرد على أداء واجب حركي في عدة اتجاهات، وإنجاز المطلوب بتناسق وتطابق مع طبيعة العمل المميز الذي يؤديه الفرد.

ولتنمية ميزة الرشاقة يجب على الفرد مراعاة دمج عدة مهارات حركية في إطار واحد أو أداء حركات بدقة عالية تحت ظروف متغيرة وفي أماكن مختلفة. 

السعودية وفي الأعوام الثلاثة الأخيرة حققت إنجازات وقفزات استراتيجية داخلية وخارجية تؤسس لحراك ودور إقليمي ريادي باتجاه بناء سياسة مرنة متعددة الجوانب تأخذ مصالحها ومصالح شركائها وحلفائها بعين الاعتبار.

 ومن أجل ذلك هناك متطلبات وضرورات أساسية ينبغي امتلاكها؛ بينها السرعة والقوة والتوافق والدقة والمرونة. بقي أن نقول إن هناك الكثير من الخبراء الذين يصفون الرشاقة بأنها ميزة مرادفة للبراعة، حيث إن الفرد هنا يجمع الصفتين باحتساب الكثير من الاحتمالات السلبية والإيجابية عند مزاولة مهامه. هل تكفي هذه التوصيفات لإيجاز التعريف بالدبلوماسية السعودية الناشطة وأهم ميزاتها في الأعوام الأخيرة تحديدا مع قيادتها السياسية الجديدة؟.

السعودية وفي الأعوام الثلاثة الأخيرة حققت إنجازات وقفزات استراتيجية داخلية وخارجية تؤسس لحراك ودور إقليمي ريادي باتجاه بناء سياسة مرنة متعددة الجوانب تأخذ مصالحها ومصالح شركائها وحلفائها بعين الاعتبار.

المؤكد هو أن الرياض تريد أن تكون جاهزة لأكثر من موقف واحتمال وقرار وطني وإقليمي ودولي يتعلق بالتوازنات والمعادلات التي تعني المملكة مباشرة، وهي تستعد لذلك بجملة من خطط التغيير والتعديل والانفتاح الداخلي بطابع اجتماعي وفكري وإنمائي والتحرك الخارجي بطابع سياسي أمني اقتصادي إنساني.

داخليا:

تغيرات وتطورات اجتماعية وثقافية وفكرية كثيرة تحدث في المملكة، ولا يمكن لها أن تكون لولا وجود هذه القيادة السياسية الجديدة التي تتحرك بمرونة وحماس غير مألوفين في التعامل مع قضايا داخلية تنتظر منذ سنوات مَن يحرك الرماد تحتها.

خيار العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز ونجله ولي العهد الأمير محمد والذي التحق به جيل الشباب من الأسرة الحاكمة ترجم عمليا وعلى الفور باعتماد نهج سياسي جديد في القرار والإدارة والتعامل مع الملفات.

ثم هناك قرار فتح الطريق أمام القيادات الشابة بمهام واضحة ومحددة تتقدمها خدمة المملكة بمهارة واحتراف وسط كل هذه التحولات والتقلبات في المشهد الإقليمي والدولي.

سفير المملكة في الولايات المتحدة الأمريكية، الأمير خالد بن سلمان مثلا هو بين أبرز الوجوه السعودية الشابة التي تمثل أهداف الحراك السعودي الجديد وتطلعاته.

إقليميا ودوليا:

السياسة الخارجية السعودية خرجت من بوتقة الاتجاه الواحد، فالكثير من الملفات والقضايا وحتى التحالفات ورسم السياسات أصبح الآن على طاولة النقاش والتفاوض، والقيادة السعودية ستحدد مواقفها وسياساتها على أساس هذه البرغماتية والواقعية والمرونة الجديدة.

الرياض قادرة اليوم على تسجيل الاختراق السياسي والاقتصادي والأمني بعكس المواقف التقليدية للعديد من الدول. فهي ترفض إعلان الرئيس الأمريكي الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وتهاجم قرار ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، لكنها قادرة أيضا على تنبيه القيادة الفلسطينية بأنها أضاعت على مدار الأربعين عاماً الماضية الفرصة تلو الأخرى، ورفضت كل الاقتراحات التي قُدمت لها.

عندما يقول وزير الخارجية السعودي عادل الجبير "نعتقد أن التعامل مع المشكلة الإيرانية يجب أن يكون عن طريق فرض المزيد من العقوبات على طهران لانتهاكاتها القرارات الدولية المتعقلة بالصواريخ الباليستية، ودعمها للإرهاب وتدخلاتها في شؤون دول المنطقة"، وعندما يقول الوزير الأمريكي بومبيو ومن الرياض وبعكس ما كنا نسمعه قبل عامين من مواقف أمريكية إن إيران تعمل على زعزعة المنطقة، وتدعم المليشيات والجماعات الإرهابية، وتسلّح الحوثيين في اليمن، وتدعم نظام الأسد وإن الاتفاق النووي بشكله الحالي ليس كافياً لضمان عدم حيازة إيران لسلاح نووي، فهي ترجمة أخرى لإنجازات القيادة السعودية ودبلوماسيتها التي تستعد لبعد عام 2025 عندما سينتهي العمل ببعض البنود المتعلقة بالأنشطة النووية وقرار عدم ترك الصواريخ الباليستية التي تملكها طهران تسرح وتمرح كما تشاء لقلب التوازنات وتهديد الأمن العربي.

جولة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الاستراتيجية الأخيرة، كانت أولى بوادر نتائجها وإنجازاتها قرار وزير الخارجية الأمريكي الجديد مايك بومبيو، أن يبدأ مزاولة مهامه انطلاقا من الرياض ليعلن حجم التنسيق والتقارب بين البلدين ويوجه رسالته لإيران لتستعد لسمة المرحلة المقبلة، حيث الإجماع الإقليمي والدولي على رفض سياساتها وسلوكها وطريقة تعاملها مع دول المنطقة.

الدبلوماسية السعودية اليوم هي التي سجلت كل هذه النجاحات في مواجهة ما كسبته إيران في الأعوام الأخيرة من دعم غربي وشرقي أعطاها وظيفة شرطي المنطقة الجديد فأخذت تهدد وتتمرد وتصعّد ضد دولها. "التحرك الاستباقي" السعودي الذي تبنته الرياض في الأعوام الأخيرة لم يكن يهدف فقط لتطويق إيران والرد على تهديداتها، بل هو يهدف لدك التحصينات العرقية والمذهبية التي تحاول أن تبنيها في اليمن وسوريا ولبنان وبعض دول الخليج.

سياسة امتصاص الصدمات وعدم التصعيد والدخول في المواجهات التي اعتمدتها الرياض لسنوات طويلة تركت مكانها لسياسة جديدة، كانت أولى مؤشراتها الرسائل الاعتراضية الكثيرة الموجهة لواشنطن بسبب سياستها الإيرانية قبل عامين ورافقها قرار الرياض قطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران بعد استهداف ممثلياتها الذي كان القشة التي قصمت ظهر البعير.

السعودية كأحد أهم مراكز الثقل الإقليمي ودورها الاقتصادي المميز كمركز لتدفقات الطاقة العالمية وأحد أعضاء مجموعة العشرين الكبرى كانت في الأعوام الأخيرة وجها لوجه أمام خيارات لا بد منها للرد على الاستهداف وتهديد أمنها القومي مباشرة.

تحالفات عاصفة الحزم في اليمن عام 2015 والتحالف الإسلامي المكون من 34 دولة تحت سقف مناورات "رعد الشمال" الأكبر في تاريخ المنطقة أهم تجليات التغيرات التي لحقت بالسياسة الخارجية السعودية في مواجهة التهديدات الحدودية الإيرانية ومحاولة لعب ورقة طهران من قبل البعض.

الزيارة التي قام بها الملك سلمان لموسكو وصفقة منظومة الدفاع الصاروخية إس 400 قد تعد نقلة نوعية في سياسة السعودية التسليحية، لكنها أيضا رسالة لمن يعنيهم الأمر بأن المملكة ستأخذ بعد الآن المتغيرات الإقليمية والدولية بعين الاعتبار عند تحديد مواقفها وقراراتها الاستراتيجية. مَن يتخلى عن الرياض لصالح خصومها وأعدائها ستتخلى الرياض أيضا عنه لصالح مصالحها ومصالح حلفائها.

الرؤية السعودية نحو عام 2030 أسهمت في رسم سياسة خارجية جديدة تواكب المتغيرات وبروز مفهوم "خريطة الحضارات" الذي استخدمه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في حديثه عن كيفية الاستفادة من مرتكزات القوة في السعودية، وهي التي تطل على أهم ثلاثة ممرات مائية في المنطقة، كل هذا أيضا هو بين ما يضعها في موقعها الاستراتيجي المركزي.

قرارات قمة القدس العربية الأخيرة في المملكة التي حملت أكثر من رسالة إقليمية ودولية ثم ترسيخ العلاقات في إطار الدائرة الخليجية أهم دوائر السياسة الخارجية للمملكة، وخيار التقارب والانفتاح السعودي الروسي والسعودي الصيني والسعودي الهندي، خاصة في ظل تتويج المملكة لشراكاتها الاستراتيجية مع هذه الدول، إلى جانب النجاح الكبير باستضافة القمم السعودية الأمريكية والخليجية الأمريكية والعربية الإسلامية الأمريكية مدلول آخر على حجم التحول المرن والرشاقة الجديدة وأسلوب النفس الطويل في السياسة الخارجية السعودية.

مواجهة مخاطر النفوذ الإيراني وبناء تحالفاتٍ جديدةٍ على المستويين الإقليمي والدولي وتعزيز الموقع والدور السعودي الاقتصادي والسياسي وتصلب الرياض في مواقفها والدفاع عن سياساتها هذه قد تكون في مقدمة الأسباب التي دفعت دفعا بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي تولى منصبه بداية عام 2017 إلى طرح سياسة أمريكية جديدة تجاه المملكة العربية السعودية، ترجمها اختياره الرياض لتكون أول عاصمة يزورها بعد انتخابه واستقباله ولي العهد السعودي في زيارة استراتيجية مماثلة وقرار إرسال وزير خارجيته الجديد بومبيو إلى السعودية لتكون أول دولة يقصدها مع توليه هذا المنصب.

كشف الرئيس العام للهيئة العامة للرياضة في السعودية تركي آل الشيخ عن رغبة لدى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في دفع عجلة الدوري السعودي للمحترفين وتطويره إلى أقصى مدى. الخطة تستهدف بلوغ قائمة أفضل 10 مسابقات دوري على مستوى العالم بحلول عام 2020.

مرة أخرى نرى أن الرشاقة والبراعة في السياسة والدبلوماسية لن تهمل الكفاءات والتطلعات الرياضية أيضا.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات