أحدث المنشقين عن الإخوان يروي لـ«العين الإخبارية» أسرار ما قبل 30 يونيو
وراء قضبان السجن، بدأت رحلة مختلفة لأحمد بركات، أبرز المنشقين حديثًا عن جماعة الإخوان، حيث تحولت سنوات الاعتقال إلى فرصة لإعادة بناء الوعي وتفكيك أوهام التنظيم التي تربى عليها لعقود.
وبعد عشر سنوات من الاعتقال، يخرج أحمد بركات صاحب حساب "أحمد مالك" الذي هز جماعة الإخوان بنقده اللاذع، مؤكدا أن فترة السجن كانت لحظة حقيقية لإعادة حسابه مع أفكار الجماعة التي انتمى إليها طويلًا.
وحساب "أحمد مالك" كان قد أثار جدلا كبيرا في أوساط الإخوان خارج مصر، قبل أن يكشف بركات ألقي القبض عليه عام 2015 قبل الإفراج عنه في 2025، أنه صاحب الحساب الذي استخدمه في طرح مراجعات نقدية حادة لتجربة الجماعة، وكشف تناقضات داخل خطابها وممارساتها، في محاولة لإعادة تفكيك الصورة الذهنية التي تشكلت لديه خلال سنوات الانتماء التنظيمي.
وغدا الثلاثاء، تصادف ذكرى مظاهرات 30 يونيو/حزيران 2013، حين خرج المصريون كإعصار جامح ضد مخططات الإخوان لاختطاف بلادهم وطمس هويتها.
حينها انحازت القوات المسلحة للإرادة الشعبية المصرية، قبل صدور بيان “خارطة الطريق” في 3 يوليو/تموز 2013 الذي رسم خطة عملية لمرحلة انتقالية بدأت بإسقاط حكم الإخوان من خلال الإطاحة بالرئيس المعزول محمد مرسي المنتمي للجماعة، وتعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا- آنذاك- عدلي منصور رئيساً مؤقتا لحين تعديل الدستور وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة يليها انتخابات تشريعية.
ويؤكد مراقبون أن الدولة المصرية نجحت في إسقاط مشروع جماعة الإخوان وإجهاض مخططات الفوضى، ولقنت التنظيمات الإرهابية هزيمة قاسية، وأن ثورة يونيو حافظت على مؤسسات الدولة الوطنية واستعادة الاستقرار السياسي والأمني.
ما قبل 30 يونيو
في حوار مع "العين الإخبارية" في ذكرى ثورة 30 يونيو، يقول بركات إن جماعة الإخوان المدرجة على قوائم الإرهاب في عدد من الدول حول العالم، كانت تعيش عقب أحداث يناير/كانون الثاني 2011، "حالة من الانتشاء بما آلت إليه الأمور في مصر، وشعرت أن الأمور تجري كما تريد"، مشيرا إلى أن هذه الحالة تصاعدت بمرور الوقت.
لكن الأيام القليلة التي سبقت مظاهرات 30 يونيو، انقسمت فيها جماعة الإخوان إلى قسمين، كما يوضح بركات.
القسم الأول والذي كانت تمثله هياكل الجماعة القيادية، التي عاشت حالة من الاستعلاء الشديد على المجتمع المصري ككل، وإنكار الواقع والثقة المطلقة بأن المظاهرات ستمر وستبقى الجماعة في الحكم.
أما القسم الثاني فكانت تمثله قواعد إخوانية عاشت حالة من القلق وعدم اليقين خاصة مع تصاعد السخط الشعبي، والأزمات الكبيرة والرفض العام المتصاعد للجماعة بصورة غير مسبوقة.
وأضاف أن ما سبق 30 يونيو كان يعكس حالة من "الانفصال عن الواقع" داخل قيادة الجماعة، حيث اعتقدت أن موجة الاحتجاجات يمكن تجاوزها بسهولة، بينما كانت الشوارع تشير إلى اتجاه مختلف تمامًا، مع تصاعد غير مسبوق في الغضب الشعبي تجاه سياسات الحكم.
ولفت إلى أن قيادات الإخوان كانت تتعامل مع الأزمة من منطق "التمكين الإلهي" الذي روجت له داخل التنظيم، وهو ما جعلها غير قادرة على قراءة المشهد السياسي بموضوعية، أو إدراك حجم التحولات التي كانت تحدث في الشارع المصري.
ويشير إلى أن هذا التصور انعكس على القرارات التي تم اتخاذها في تلك المرحلة، سواء من حيث إدارة الدولة أو التعامل مع المعارضة، مما ساهم في تعميق الأزمة بدلاً من احتوائها، ودفع البلاد إلى حالة من الاستقطاب الحاد.
وهم التمكين
وعن سبب اعتقاد وأوهام الجماعة بأنه لا يمكن الإطاحة بها من السلطة، يشرح بركات أن "التأويلات الدينية غير الصحيحة والحالة العصبية والعاطفية كانت سببًا رئيسيا في ذلك"، مشيرًا إلى أن الإخوان "ظلت تعيش حالة من الإنكار التام للواقع، مبررة ذلك لقواعدها التنظيمية بمبررات وإسقاطات دينية غير منطقية".
وتابع "لأنها ظنت واهمة أنه تم تمكينها بالفعل، وأن التمكين- أي السيطرة على مصر والاستعداد للسيطرة على العالم- هو هدية ومكافأة إلهية، فقد اعتبرت أن الاحتجاجات والرفض لحكم الرئيس المعزول محمد مرسي والجماعة ككل هو تحدٍ لإرادة الله، وهذا التحدي لن يجدي نفعا".
وأوضح أن هذه الطريقة في التفكير، غير الصحيحة دينيًا وعقليًا، جعلت الجماعة الإرهابية ترسخ تصورات لا علاقة لها بالواقع والمنطق، وجعلها تختار أشخاصًا محدودي الخبرة والحكمة لإدارة شؤون الدولة المصرية في مرحلة حساسة من تاريخها، لتكون النتيجة ذلك الأداء غير المنطقي والفاشل على كافة المستويات الإدارية، والذي كان بمثابة الوقود الذي أشعل الاحتجاجات على حكم الجماعة الذي سقط بأسرع مما كانت تتخيل.
لحظة الصدمة.. حين انكشفت الحقيقة
وفيما يتعلق بلحظة تلقي أنباء عزل مرسي، يصف بركات الموقف بـ"الصدمة الهائلة" التي أصابت كل القواعد التنظيمية وأتباع الإخوان الذين جرى تضليلهم بشكل كبير.
ويقول: "كثيرًا ما تم طمأنتهم بمزاعم متعددة، منها أن إخواننا الكبار أو إخواننا الذين فوق -في إشارة لمكتب إرشاد الجماعة وقيادتها العليا- يعلمون كل شيء، ويديرون الأمور باحترافية، ولهم رجالهم في كل مكان داخل الدولة المصرية وخارجها".
ويستطرد "الجماعة كانت تقول لأتباعها إن ليس كل ما ينشر في وسائل الإعلام حولها وحول الأوضاع في مصر صحيحًا، وكانوا يقولون لنا إن كثيرًا من الأحداث التي كانت تثير قلق أتباع الإخوان حين يرونها في وسائل الإعلام تتم بتدبير الجماعة وتخطيطها من الأساس، وأن هناك مفاجآت ستحصل".
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا، كما يكشف بركات، حيث تفاجأ الجميع بأن كل تلك الوعود لم تتحقق، وأن "إخواننا الذين فوق" لم يكونوا يعرفون شيئًا، لتنكشف هشاشة التنظيم وقدراته الحقيقية التي اغتر بها ولم تكن سوى أوهام في عالم من الدعاية والخطاب العاطفي.
طريق التصعيد
وحول اختيار الجماعة للتصعيد ورفضها المبادرات، يرى بركات أن ذلك ينبع من طبيعة تصور الجماعة للأزمة، حيث اعتبرت عزل مرسي والإطاحة بها من الحكم بمثابة "حرب على الدين ومؤامرة على الإسلام" كما تدعي، ومن ثم روجت لأعضائها وأنصارها أنها تخوض معركة مقدسة.
ويوضح أن هذا التصور دفعها لاختيار طريق الصراع والمعادلة الصفرية المطلقة، مما جعلها غير قابلة للاستجابة لكل المناشدات والمبادرات بعدم التصعيد، معتبرًا أن طبيعة عقيدة الجماعة وخطابها كان جزءًا من الأزمة.
ويضيف أن الجماعة كانت تعاني من "غرور القوة" منشأه اغترارها بقوتها التنظيمية وثقتها في قدرتها على استعادة زمام الأمور والعودة لحكم مصر مرة ثانية، بالإضافة إلى استقطابها التيارات الدينية الأكثر تشددًا كالمجموعات المتطرفة التي انضمت للجماعة في ميادين الاعتصام.
ويكشف أن قيادة الجماعة كانت مرتبكة، مما أدى إلى حالة من التخبط الشديد والفوضى القيادية وتضارب التصريحات والتوجهات، وبالتالي وضعت الجماعة نفسها في موقف لا تقبل معه أي حلول تفاوضية أو مسارات سياسية واقعية، وانتهى الحال إلى ما وصلت إليه حاليًا من فشل ذريع وعزلة سياسية وشعبية غير مسبوقة.

الإخوان بعد العزل.. خيار الانتحار
وعن وضع الإخوان في الفترة التالية لعزل مرسي، يوضح بركات أن الجماعة عاشت حالة من الصدمة والتخبط والفوضى والغضب الشديد والسخط على المجتمع المصري المحتقن منها آنذاك.
ويضيف: "حاول أتباع الإخوان التهرب من تلك الحالة إلى ميادين الاعتصام في مختلف المحافظات، وهذا الهروب لم يكن في سياق احتجاجي على عزل مرسي فقط، وإنما هروب إلى المجتمع الإخواني الذي يعترف به العضو الإخواني ويحب أن يراه".
ويشير إلى أن المواجهة مع المجتمع والدولة المصرية ككل كانت الخيار الأوحد لدى قواعد الإخوان التنظيمية، وفق مبدأ كل شيء أو لا شيء، لافتا إلى أن الجماعة اختارت في تلك المرحلة "استراتيجية الانتحار الذاتي"، حيث بدأت مرحلة من التحريض فالفوضى فالاستنزاف فالتلاشي.
قرار العنف في ميادين الاعتصام
وفي سياق تبني الجماعة لنهج العنف، يكشف بركات عن التطور التدريجي الذي شهدته الإخوان في هذا المسار.
ويقول: "مع فض الاعتصامات الإخوانية في رابعة والنهضة، والصدامات التي حصلت بين الجماعة وأنصارها وقوات الأمن المصرية وكذلك المدنيين في المظاهرات بعد ذلك، تطورت الأمور داخل الجماعة من رؤية ادعت أنها سلمية، إلى ما سمته الجماعة بـ(السلمية المبدعة)، وهو مفهوم دعائي يجمل اللجوء للعنف لأن السلمية المبدعة ليست سوى استخدام القوة والعنف".
ويكمل "قالت الجماعة في البداية إن استخدام العنف سيكون في إطار دفاعي فقط، ثم تطورت هذه الفكرة إلى الهجوم والاعتداء باعتباره أفضل وسيلة للدفاع، وسخرت جماعة الإخوان في ذلك المسار كل إمكاناتها التنظيمية والمالية والبشرية، وكان اللجوء للعنف قرارًا توافقت عليه الجماعة حتى تلك اللحظة".
ويكشف أن العمل العنيف تمدد مع انحسار نشاط المظاهرات، حيث كانت تقوم به لجان العمليات النوعية، والتي تطورت مع الوقت حتى أصبحت تعرف بأسماء مثل حركة سواعد مصر "حسم"، ولواء الثورة، وغيرها من الكيانات الإرهابية.
الانقسام إلى جبهات
وعن طبيعة الخلافات القيادية التي حدثت في تلك الفترة وآثارها الممتدة حتى الآن، يقول بركات إن هذه الخلافات حدثت في أوائل 2015، مع توالي الإخفاقات والضربات الأمنية المتلاحقة والقبض على الآلاف ممن جندتهم الجماعة للعمل العنيف ومقتل المئات من كوادر العمل العنيف في اشتباكات مع قوات الأمن المصرية.
ويوضح: "هنا عادت وجوه من القيادات البارزة، مثل محمود عزت القائم بعمل المرشد (حينها قبل إلقاء القبض عليه في 2020) ومحمد عبد الرحمن المرسي ومحمود حسين عضوي مكتب الإرشاد، للجماعة لتحميل القيادات الشابة التي عملت مع محمد كمال عضو مكتب الإرشاد (قبل مقتله في تبادل إطلاق النار مع الشرطة المصرية عام 2016) المسؤولية، وتحاول استعادة السيطرة على الأمور داخل الجماعة، مروجة دعاوى منها أنها تلقت وعودًا من دول وجهات خارجية بدعم الجماعة شريطة تخليها عن العنف".
ويشير إلى أن هذا الأمر فجر الصراعات وأسهم في انقسام الجماعة لاحقًا إلى جبهتين: جبهة القيادات التاريخية وعلى رأسها محمود عزت، وجبهة القيادات الشبابية أو المكتب العام وعلى رأسها محمد كمال، ثم إلى ثلاث جبهات في 2021 وهي جبهات لندن وإسطنبول والمكتب العام.
ويؤكد بركات أن آثار تلك الخلافات ممتدة، وأنها حددت مصير الجماعة بالكلية.
السجون ومواجهة الحقيقة
أما واقع الجماعة داخل السجون، فيتحدث بركات عن تيار ناقم بين الكوادر التنظيمية، مشيرًا إلى أن انقسامات الجماعة كان لها صدى داخل المعتقل، حيث حدثت خلافات أدت إلى تصنيف الأعضاء على أساس ولائهم لأي من الجبهات المتصارعة.
ويؤكد أن هذه الحالة انتهت مع تراجع الجماعة وتدهورها، ليصبح هناك شباب ساخطون بالكلية على الإخوان، بعضهم راجع أفكاره وتخلص من فكره السابق بالكامل، وهؤلاء ليسوا عددًا قليلًا، بينما هناك آخرون ما زالوا متأثرين بالجماعة عاطفيًا لكنهم في أزمة عميقة بسبب مجمل الأوضاع الخاصة بهم وبالجماعة ككل.
أثر الخلافات على الجماعة وأفرادها
وعن أثر الخلافات بين جبهات الإخوان على الجماعة وأفرادها، يؤكد بركات أن تلك الخلافات والانقسامات لم تكن على رأي ولا فكر، وإنما على موارد مالية ومواقع وألقاب ومناصب تنظيمية، أظهرت مختلف الجبهات الإخوانية مستوى متدنيًا وسلوكًا هابطًا إلى أدنى درجة.
ويشير إلى أن هذا الوضع دفع بالآلاف من أفراد الجماعة إلى الانفصال عنها واعتزالها، وأسقط مكانتها القديمة في عيون كثير من أفراد المجتمع الذين كانوا منخدعين بالإخوان، مما أوصلها إلى ما يعتبره "بداية النهاية لدورة حياة جماعة الإخوان".
ويصف هذا المشهد بأنه "الضربة القاضية للجماعة"، معبرًا عن اعتقاده الراسخ بأنها لن تقوم منها مرة أخرى.