سياسة

"الشيخ" الذي تجدد

السبت 2018.6.16 07:42 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 869قراءة
  • 0 تعليق
فهد الدغيثر

منذ أن بدّلت السعودية شخصيتها الهادئة التي غلب عليها في الماضي ممارسة الصبر الطويل على الأذى، بثوب جديد لا يتردد في مواجهة الخصوم علناً وبقوة، أقول منذ أن فعلت السعودية ذلك وهي تواجه كل أنواع السب والتخوين والبذاءة من بعض الأطراف العربية والفارسية ومن يتعاطف مع جماعات الإسلام السياسي. بمعنى آخر كأن أولئك الأقوام يقولون إما أن تستمر السعودية في صمتها وتتفرج فقط على ما يحدث من دسائس ومؤامرات وخيانة وطعن في الظهر، وإما ستتعرض لها وسائل الإعلام "المأجورة" بالتخوين.

أضع هذه المقدمة تزامناً مع مرور عام على تنصيب الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد في المملكة. هذا الأمير الشاب الذي لا يختلف اثنان على أن وجوده اللافت وقراراته الحازمة والكاريزما الطاغية التي يتمتع بها كانت السبب الأهم في كشف أقنعة من أشرت إليهم قبل بضعة أسطر. بدعم مطلق ورعاية من الملك سلمان بن عبدالعزيز يرى كثيرون أن ولي العهد السعودي هو من أخذ على عاتقه إظهار الشخصية السعودية الجديدة التي أضحت حديث العالم.

من راهن على تآكل الوطن وشيخوخته قبل عامين يصارع اليوم لا من أجل محاولة إسقاطه، بل فقط من أجل محاولة فهم ما يحدث في داخل وخارج هذا الوطن العجيب، وكله ذهول وحيرة وربما حسرة وندم

على أن هذا الرجل الطموح لم يقتصر في نهجه على مواجهة المتآمرين على أمن المملكة كما حدث مع قطر وفي اليمن، بل بدأ وركّز على الداخل السعودي حتى قبل تعيينه في ولاية العهد من خلال ترؤسه مجلس الاقتصاد والتنمية. استهل ذلك بإعادة هيكلة الإنفاق الحكومي ومحاربة الفساد الذي كان ينهش في الجسد البيروقراطي في الحكومة، ثم توغل في الماكينة الاقتصادية الخاملة المعتمدة على النفط، وأدخل مفهوم "تنويع مصادر الدخل" في القاموس السعودي قولاً وعملاً. وحتى يتحقق ذلك ومن أجل توفير المناخ الاستثماري المناسب، كان لا بد للدولة أن تبدأ بالانفتاح الاجتماعي وترفع من مستويات جودة الحياة في المملكة، بحيث تحافظ على خفض هروب الأموال للخارج، وقد فعل ذلك بسرعة فاقت أكثر المراقبين تفاؤلاً. اقتصادياً بدأت المملكة أيضاً باستضافة مؤتمرات دولية ضخمة عدة للتعريف بفرص الاستثمار العذراء في البلاد، أكانت صناعية أم سياحية وتجارية.

تمخض عن ذلك تحديد ثلاثة مشاريع ضخمة كنقطة انطلاق تتمثل في مشروع "القدية" الترفيهي بجوار العاصمة الرياض، ومشروع "مدينة البحر الأحمر"، ومدينة "نيوم" في أقصى الشمال الغربي للبلاد، وتضم أجزاء من مصر والأردن في شراكة استثمارية غير مسبوقة. أخيراً قام ولي العهد بما يسمى "رود شو" في عالم الأعمال، عندما زار بنفسه عديدا من الدول الكبرى الفاعلة التي يتطلع أفرادها ومؤسساتها إلى الاستثمار في المملكة، وقدم شخصياً جميع التسهيلات التي ستمنحها الدولة لمن يضطلع بالمشاركة في هذه المشاريع، حتى في موضوع تعديل أسعار النفط أقام تحالفاً مهماً مع روسيا في تحديد أسقف الإنتاج، وهو ما دفع الأسعار إلى المستويات الحالية وكسب في ذلك ثقة دولة نفطية عظمى.

أما على المستوى السياسي والعسكري، فالسعودية تخرج للعالم بشخصية القيادة والمواجهة وعدم تأجيل الأزمات. نظمت المملكة قبل عام أهم مؤتمر دولي لمواجهة الإرهاب بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعشرات الرؤساء من مختلف العالم الإسلامي والعربي. ذلك المؤتمر الذي فضح نوايا "الشقيقة" قطر وأخرجها عن المألوف بدليل سماحها لموقع إخباري في لندن، وهو مملوك لها، بنشر مقالة لوزير خارجية إيران اتهم فيه المملكة بالوقوف وراء عملية أحداث الـ11 من سبتمبر. نشرت قطر هذه المقالة من فرط الحماس حتى قبل انتهاء مراسم المؤتمر المذكور لتواجه مصيرها المظلم بعد أقل من يوم واحد عندما قررت ما بات يعرف اليوم بالدول الأربع (السعودية، والإمارات، ومصر، والبحرين) مقاطعتها ومعاقبتها، وهو الأمر الذي يستمر حتى كتابة هذه المقالة.

وعلى مستوى الأمن العربي الكبير، فولي العهد السعودي يعد الشخصية السياسية العربية الأولى التي تضع إيران علناً بمنزلة العدو الطامع بالاستيلاء على مدن عربية عدة في العراق والشام إضافة إلى اليمن. الأمير لم يكتف بذلك، بل إنه شبه علي خامنئي مرشد الثورة الإيرانية بـ"هتلر". ومصداقاً لهذا الموقف بادر قبل عامين ونصف العام وبالتحالف مع دولة الإمارات والبحرين بتشكيل جيش التحالف العربي لدحر مليشيا إيران في اليمن بعد انقلابها الغبي على الحكومة الشرعية هناك.

أمام هذا النشاط الضخم وتنوع الاهتمامات في الداخل والخارج سقطت جميع الرهانات عند البعض، وفقدوا العقلانية والمنطق. كلنا يتذكر وعود حمد بن خليفة للقذافي بأن عمر السعودية المتبقي لن يتجاوز 12 عاماً، وقد روج وعمل على ذلك من خلال قناة الجزيرة وغيرها. هذا فيما يخص الأشقاء المقربين في الخليج، أما في ضاحية بيروت الجنوبية فالأمر تجاوز كل الخطوط الحمراء التي كانوا يقفون عندها نفاقاً و"تقية" في الماضي. يقود هذه الحملات حسن نصرالله نيابة عن إيران بالطبع، ويتبعه عدد من المأجورين من مختلف الأحزاب اللبنانية. في الجهة الأخرى تتناوب جماعة "الإخوان المسلمين"، سواء في غزة أم من هرب إلى تركيا وغيرها على لعب الأدوار المتبقية.

السعودية كدولة لم تعد تكترث لما يقال في بعض وسائل الإعلام، وإن أبدى البعض من المواطنين السعوديين تذمره، ربما لأن ذلك جديد عليه. أردد مع هؤلاء الإخوة في المجالس وفي كل مناسبة حقيقة لا غبار عليها، وهي أن القوي معرّض على الدوام للسب والشتم، ولو أن هذا الأسلوب ينفع ويحقق نصراً لكان العرب أقوى كيان في العالم. هل تأثرت الولايات المتحدة أو بريطانيا أو حتى إسرائيل من ذلك على مدى القرن الماضي بأكمله؟ أما ردود ولي العهد على هذه المهاترات فهي العمل واستمراره ولا غير ذلك. بالأمس كان ولي عهد دولة الإمارات العربية المتحدة في مكة المكرمة موقعاً على مذكرة تفاهم "مجلس التنسيق السعودي الإماراتي" الواعد والأقرب إلى الاتحاد والتكامل بين البلدين. بعد ذلك بدأت معركة تحرير الحديدة في اليمن في خطوة مهمة وحاسمة لحشر المتمردين الحوثيين في محيط صنعاء بعد قطع شريان الإمداد الذي كانوا يتمتعون به في السابق عبر ميناء هذه المدينة الساحلية المهمة.

لكم أن تتخيلوا حجم المهمات وضخامة المسؤوليات التي تقع هذه الأيام على المملكة ومسؤوليها، وكيف تتم إدارتها بهذا التناغم الدقيق. هذه هي حكومة الملك سلمان وولي عهده بطاقاتها الشابة المتقدة حيوية وهمة وعزيمة. من راهن على تآكل الوطن وشيخوخته قبل عامين يصارع اليوم لا من أجل محاولة إسقاطه، بل فقط من أجل محاولة فهم ما يحدث في داخل وخارج هذا الوطن العجيب، وكله ذهول وحيرة وربما حسرة وندم.

نقلاً عن "الحياة"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات