إيران من الشاه إلى الجمهورية.. ثورة «التهمت» نفسها
قبل أن تدوي صفارات الإنذار وتتساقط القنابل على إيران مطلع هذا العام، روّج مهندسو الحرب لها باعتبارها الشرارة التي ستُسقط نظاماً أرهقته سنوات من الأزمات الاقتصادية والاضطرابات السياسية.
بدا للمراقب المتعجل أن إيرن تقف على حافة الانهيار، وأن ضربة عسكرية محسوبة كفيلة بقلب الطاولة، غير أن ما حدث كان العكس تماماً؛ إذ لم تسفر حملة القصف التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل إلا عن تمكين العناصر الأكثر تشدداً داخل الدولة الإيرانية، وتقويض القوى التي كان يُراهن عليها لإحداث التغيير من الداخل.
هذه المفارقة القاسية، التي أدركها بعمق كل من أمضى سنوات في دراسة إيران الحديثة، تشكل جوهر كتاب "الثورة المسروقة" للصحفيين يغانه تورباتي وبزرجمهر شرف الدين، وهو عمل استثنائي يقدم سرداً موثقاً ومؤلماً لنصف قرن من الكفاح الإيراني من أجل الحرية، بحسب صحيفة نيويورك تايمز.
يؤسس المؤلفان لسرديتهما من نقطة بداية حاسمة، إذ يريان أن ثورة 1979 التي أطاحت بالشاه، لم تكن سوى ذروة توترات متراكمة منذ انقلاب 1953 المدعوم من وكالة المخابرات المركزية.
في ذلك التحالف الواسع الذي جمع رجال الدين واليساريين والقوميين والمثقفين العلمانيين، كان القاسم المشترك هو رفض الواقع القائم أكثر مما كان رؤية موحدة للمستقبل.
هنا تكمن المأساة الأولى التي يرصدها الكتاب: فحالما تركزت السلطة بيد نخبة دينية حول الخميني، تحولت الثورة إلى عملية إقصاء منهجية للحلفاء السابقين. وكما يكتب المؤلفان بمرارة، "كشف الثورة التي انطلقت بمُثُل المساواة وآمال عريضة عن دولة مافيا".

يتجسد هذا المسار المأساوي في شخصية مهدي كروبي، العالم الإسلامي الذي يُعد أحد أبرز شخوص الكتاب. تعقبه كاميرا المؤلفين منذ أن كان شاباً يعبر الحدود خفية إلى العراق للقاء الخميني في منفاه، مختبئاً بين بساتين النخيل قبل أن يقبّل يدي الزعيم الديني بدموع المؤمن.
لعقود، وزع كروبي خطابات الثورة، ونام على أرضيات السجون مع يساريين ورجال دين تحت مطاردة شرطة الشاه السرية. لكن رحلته تكشف التناقض العميق للنظام: فهو الذي ساهم في بناء مؤسسات الجمهورية الوليدة، ودافع عنها حتى وهي تنحدر أخلاقياً، وتفرض الحجاب وتحظر الموسيقى.
لكنّ النظام تحول في النهاية إلى أداة أكثر قسوة مما تصور، ليجد كروبي نفسه في العقد الأول من الألفية الثالثة نائباً برلمانياً يحذر من توسع الدولة الأمنية، قبل أن يصبح أحد أشد منتقدي النظام من الداخل خلال الحركة الخضراء عام 2009.
هذه الحركة، التي اندلعت غضباً على إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد المثيرة للجدل، تمثل نقطة تحول في النصف الثاني من الكتاب.
هنا ينتقل تورباتي وشرف الدين من رصد ترسيخ السلطة إلى تصوير استمرار المقاومة، مقدمان بورتريهاً نابضاً بالحياة لشباب إيرانيين عاشوا الثورة لا كذكرى، بل كإرث سياسي ثقيل.
يعود المؤلفان إلى الوراء قليلاً، ليؤرخا لعودة المجتمع المدني خلال رئاسة محمد خاتمي الإصلاحية، حيث ازدهرت الصحف وتكاثرت الصالونات الأدبية والمجموعات الطلابية، فاتحة مساحات أصبحت فيها الممارسة الديمقراطية جزءاً من نسيج الحياة اليومية.
وفي مشهد دال، يروي الكتاب قصة الناشطة هيلا صديقي ذات السبعة عشر عاماً، التي أمضت أسابيع في التخطيط لأمسية شعرية لخمسمئة شخص، وحين ألغتها السلطات فجأة، رفضت الاستسلام وخاضت متاهات البيروقراطية حتى انتزعت توقيع موافقة من مسؤول متوتر حذرها قائلاً: "أُشعل هذه النار من أجلك ومن أجلي".
ثم يعود السرد إلى العام 2009، حين تدفق الملايين إلى شوارع طهران في مشهد مهيب، حاملين آمالاً في محاسبة النظام. يرسم المؤلفان بدقة بالغة تفاصيل الحماس والارتجال: مواد الحملة الانتخابية وهي تنتقل بين الهواتف عبر البلوتوث في محطات المترو، وسلاسل بشرية تمتد عشرات الأميال، ومنظمون شباب موقنون بأن الحضور الجماهيري الهائل سيكشف أي تزوير.
صحيح أن الدولة صمدت، ليس لأن المعارضة اختفت، بل لأن مؤسسات القمع أثبتت أنها أشد صلابة من قوى التغيير. لكن الجمر ظل تحت الرماد، ليتجدد في حركة "النساء، الحياة، الحرية" عام 2022، حيث يصور المؤلفان مشهد الناشطة الكردية روزين يوسف زاده وهي تسير دون حجاب في شوارع طهران، متوقعة الاعتقال، لكنها تجد تشجيعاً خفياً من وجوه الغرباء.

قد يكون عنوان "الثورة المسروقة" خادعاً بعض الشيء، إذ يوحي بانفصال كامل لا تدعمه تفاصيل الكتاب نفسه. فما يظهره المؤلفان ليس سرقة بقدر ما هو تشوه طبيعي نابع من تناقضات الثورة ذاتها.
لكن قيمة الكتاب الحقيقية تكمن في رفضه لليأس، عبر تتبعه قدرة سياسية تتناقل عبر الأجيال: القدرة على التجمع والتنظيم وتخيل واقع مغاير. وإذا كان للعنوان دلالة مزدوجة في خضم الحرب الراهنة، فذلك لأن الضربات الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة، التي أودت بخامنئي ومعظم رفاقه، لم تحرر إيران بل زادت الحرس الثوري رسوخاً، وأغلقت الفضاءات الهشة لأمسيات الشعر والاحتجاجات النسائية تحت وطأة منطق الأمن القومي.
وخلصت الصحيفة إلى أن كتاب "الثورة المسروقة" هو في نهاية المطاف شهادة على أن الثورة الإيرانية لا تنتهي، إنها تتراجع وتشتد ثم تعود، مثل القوى التي تعارضها تماماً.