المعركة الأخيرة لنتنياهو؟.. حسابات البقاء تقود التصعيد مع إيران
قد يبدو الأمر مناقضاً للمنطق، لكن وفق حسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإن تجدد المواجهة العسكرية مع إيران فرصة أخيرة لإنقاذ مستقبله السياسي.
فعندما أمر نتنياهو سلاح الجو الإسرائيلي بشن غارات على بيروت مطلع يونيو/حزيران الجاري، لم تُقرأ الضربات باعتبارها مجرد رد تكتيكي على تهديدات حزب الله، بل بدت جزءاً من محاولة مدروسة لدفع طهران نحو مواجهة أوسع، بحسب مجلة فورين بوليسي.
وعلى خلاف ما قد يُفترض، فإن التهديد الإيراني بالرد لم يكن بالضرورة السيناريو الذي يسعى نتنياهو إلى تفاديه، بل ربما فرصة يراها مواتية. فالرجل الذي بنى جزءاً كبيراً من مسيرته السياسية على سياسة حافة الهاوية يعتقد أن المواجهات السابقة مع إيران توقفت قبل تحقيق أهدافها النهائية.
كما ينظر بعين الشك إلى المسار التفاوضي المتعثر بين واشنطن وطهران، خشية أن يفضي إلى اتفاق يُبقي على القدرات الصاروخية الإيرانية وشبكة حلفائها الإقليميين، مع الإفراج عن أموال قد تمنح الاقتصاد الإيراني متنفساً جديداً.
ومن هذا المنطلق، قد يؤدي استئناف المواجهة إلى نسف فرص التفاهم الدبلوماسي وفتح الباب أمام تغيير أوسع في موازين القوى الإقليمية.
غير أن الحسابات الاستراتيجية تتداخل هنا مع اعتبارات سياسية داخلية لا تقل أهمية. فإسرائيل تتجه نحو انتخابات يفترض أن تُجرى بحلول 27 أكتوبر/ تشرين الأول، المقبل، فيما تواجه حكومة نتنياهو تحديات متزايدة.
تشير أحدث استطلاعات الرأي إلى أن ائتلافه اليميني الديني قد يحصد بالكاد ثلاثة وخمسين مقعداً في الكنيست. وفيما قد تعجز المعارضة عن تشكيل أغلبية بسبب رفضها ضم الأحزاب العربية، فإن الزخم الشعبي في غير صالح رئيس الوزراء.
وحتى معقل حزب الليكود في أقصى الشمال، الذي طالما شكّل قاعدة صلبة لنتنياهو، يشهد تمرداً غاضباً من السكان الذين يشعرون بأنهم متروكون تحت رحمة صواريخ حزب الله.
وفي هذا السياق، قد تبدو أي مواجهة ناجحة مع إيران أو حزب الله فرصة لإعادة ترميم صورة نتنياهو واستعادة مكانته كـ«رجل الأمن» القادر على فرض الردع.
ورغم ما تكبدته إسرائيل من خسائر بشرية واقتصادية منذ هجمات السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، فإن المزاج العام لا يعكس بالضرورة إرهاقاً يقود إلى رفض التصعيد. فالهجوم الذي نفذته حماس أحدث صدمة عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي، وأضعف الثقة بالمنظومة الأمنية التقليدية.
ومنذ ذلك الحين، تعززت لدى شريحة واسعة من الإسرائيليين قناعة بأن سياسة الاحتواء لم تعد كافية، وأن التهديدات المحيطة بإسرائيل تتطلب معالجات أكثر حسماً.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية التي تواجه نتنياهو. فعلى الرغم من الحروب التي خاضتها إسرائيل على أكثر من جبهة، لا يزال «النصر الكامل» الذي وعد به بعيد المنال في نظر كثيرين. كما أن تداعيات هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على صورته السياسية، ولم تنجح محاولاته المتكررة لتحميل المسؤولية لمؤسسات أخرى في إبعاد اللوم عنه بالكامل.
لذلك، يبدو أن نتنياهو يراهن على إنجاز استراتيجي كبير يعيد صياغة إرثه السياسي. فمن وجهة نظر أنصاره، قد يؤدي إضعاف إيران بصورة حاسمة إلى تقليص التهديد الصاروخي، وإضعاف نفوذ حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم حزب الله، بما يغير البيئة الأمنية التي تواجهها إسرائيل منذ سنوات.
غير أن هذا المسار يصطدم بعامل خارجي بالغ الأهمية يتمثل في موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يفضّل، حتى الآن، التوصل إلى تفاهم مع طهران بدلاً من الانخراط في حرب مفتوحة.
وقد أكد ترامب مراراً أن القرار النهائي بشأن التعامل مع إيران يعود إلى واشنطن. لكن تعثر المفاوضات أو تصاعد الهجمات المتبادلة قد يزيد الضغوط باتجاه خيارات أكثر تشدداً.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن فهم إصرار نتنياهو على كسب الوقت سياسياً وتأجيل أي استحقاقات قد تهدد بقاء ائتلافه. كما تتفاقم الضغوط الداخلية بفعل أزمة تجنيد الحريديم، التي تحولت إلى أحد أكثر الملفات إثارة للانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي، في وقت تتحمل فيه قطاعات واسعة أعباءً متزايدة من الخدمة العسكرية والاحتياط.
وفي خضم هذه التحديات، يبرز سؤال جوهري: لماذا يتمسك نتنياهو بالسلطة بعد عقود طويلة في قمة الحياة السياسية؟ تكمن الإجابة جزئياً في محاكمته الجنائية المستمرة وما يوفره المنصب من وزن سياسي وقانوني. كما أن المعارضة لا تزال تعاني من الانقسام وغياب شخصية قادرة على توحيد مختلف مكوناتها خلف مشروع سياسي واحد.
في النهاية، يجد نتنياهو نفسه أمام مزيج معقد من الضغوط الأمنية والأزمات السياسية والحسابات الشخصية. وبينما تتزايد المخاطر في الداخل والخارج، يبدو أنه يواصل الرهان على الاستراتيجية ذاتها التي رافقته طويلاً والمتمثلة في تحويل الأزمات إلى فرص، والمضي حتى اللحظة الأخيرة في معركة قد تحدد ليس فقط مستقبله السياسي، بل أيضاً شكل المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط.