بعد صدمة «مضيق هرمز».. الهند تحلم بثورة نفطية في بحارها العميقة
لم تكن الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية بعيدة عن حدود الهند، بل كانت هزة عنيفة.
لم تكن الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية بعيدة عن حدود الهند، بل كانت هزة عنيفة أيقظت العملاق الآسيوي على حقيقة وضعه الطاقوي.
بعد الحرب، أدركت الهند أن أمن الطاقة لمليار ونصف المليار إنسان بات رهيناً للممرات الملاحية الدولية والتقلبات الجيوسياسية.
هذه الصدمة دفعت نيودلهي للالتفات صوب بحارها البكر، معلنةً عن خطة استكشاف ضخمة ملوّنة بالبراغماتية السياسية الصارمة.
وفي مقابلة أجراها وزير النفط الهندي هارديب سينغ بوري، مع وكالة فرانس برس، بدا واضحاً أن بلاده استخلصت درساً استراتيجياً، لتبدأ فوراً بفتح تراخيص تنقيب جديدة تغطي مساحة شاسعة تصل إلى 250 ألف كيلومتر مربع، مستهدفة المياه العميقة لفك عقود من التبعية للخارج.
أرقام تكشف عمق التبعية
تخوض الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، معركة شرسة ضد الأرقام؛ فبينما ينمو استهلاكها للطاقة أسرع بثلاث مرات من بقية العالم (ليصل إلى 5.6 مليون برميل يومياً)، لا يغطي إنتاجها المحلي المتواضع سوى 10% فقط من احتياجاتها، بواقع 522 ألف برميل يومياً.
هذه الفجوة الضخمة هي ما جعل نيودلهي تسابق الزمن للبحث عن مورّدين بدائل في أفريقيا وأمريكا اللاتينية كلما اشتعلت جبهة في الشرق الأوسط أو انقطعت الإمدادات المعتادة من مورديها التقليديين.
البراغماتية الهندية: النفط بلا أيديولوجيا
لا تتردد الحكومة الهندية في حماية مصالحها الاقتصادية وإن تطلب الأمر صداماً ناعماً مع القوى العظمى؛ فبعد أن فرضت واشنطن تعريفات جمركية على نيودلهي بسبب استمرارها في شراء النفط الروسي، جاء رد الوزير الهندي حاسماً وبراغماتياً: "نحن نفصل سياسة التزود بالطاقة عن أي اعتبارات أيديولوجية".
هذه الفلسفة العملية هي المحرك الأساسي لتحالفات الهند الجديدة؛ حيث استدعت نيودلهي عمالقة الطاقة عالمياً مثل توتال إنيرجي، إكسون موبيل، وشل، وضخت 10 مليارات دولار من أموال دافعي الضرائب لاختراق مليون كيلومتر مربع من الأراضي والبحار غير المستكشفة بعد.
الرهان الملياري على مياه "أندامان" العميقة
تتركز الآمال النفطية الكبرى للهند في أرخبيل جزر "أندامان ونيكوبار" النائية في المحيط الهندي (قبالة إندونيسيا وتايلاند)، حيث تشير التكوينات الجيولوجية إلى ثروات هائلة تحت الماء.
وضمن خطة وطنية شاملة، أطلقت الحكومة مشروعاً عملاقاً بقيمة 9 مليارات دولار لتوسيع المنشآت العسكرية وبناء ميناء تجاري ضخم ومجمع سياحي في هذه الجزر الاستراتيجية.
هذا التحرك المتسارع لحفر الآبار في المياه العميقة وشديدة العمق يعكس رغبة نيودلهي في بناء درع نفطي واقتصادي قوي، يحمي خططها التنموية المتسارعة ويضمن ألا تظل شرايينها الاقتصادية تحت رحمة التوترات السياسية في مضيق هرمز.