خصخصة الطبيعة تشعل أوروبا.. الشركات تبتلع الشواطئ والمواطنون بلا نزهات
لم تعد أزمة "السياحة المفرطة" في دول جنوب أوروبا تقتصر على زحام الشواطئ أو ضجيج الطائرات منخفضة التكلفة، بل تحولت في صيف 2026 إلى مواجهة سياسية واجتماعية مفتوحة ضد ما يُعرف بـ"خصخصة الطبيعة".
وبحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية، تتجه الأزمة إلى مواجهة أوسع مع الشركات الكبرى والمستثمرين الذين يُتهمون بتحويل السواحل الأوروبية إلى مشاريع خاصة على حساب السكان المحليين.
فمع حلول كل صيف، تمتلئ المطارات الأوروبية بالمسافرين الباحثين عن عطلات مشمسة في وجهات مثل مايوركا وكورفو وألبوفيرا. إلا أن هذه الرحلات قد تصطدم بموجة متزايدة من الاحتجاجات الشعبية.
ففي إسبانيا، لجأ متظاهرون في برشلونة إلى رش السياح بالمياه أو إغلاق مداخل الفنادق، بينما تنتشر في تينيريفي شعارات تدعو السياح إلى مغادرة الجزيرة.
غير أن الاحتجاجات الأخيرة لم تعد تستهدف السائح العادي، بل ركزت على الجهات الاستثمارية التي يُنظر إليها باعتبارها المحرك الرئيسي للسياحة المفرطة وخصخصة الشواطئ.
ويتشابه هذا المشهد مع ما تشهده ألبانيا، حيث أثارت خطط إقامة مشروع سياحي فاخر على جزيرة سازان وشبه جزيرة زفيرنيك موجة احتجاجات واسعة، وصفت بأنها الأكبر منذ سقوط النظام الشيوعي.
وبدأت الاحتجاجات بدوافع بيئية لحماية المواطن الطبيعية وموائل طيور الفلامنغو، قبل أن تتحول إلى نقاش وطني حول الفساد، ونفوذ رجال الأعمال، ومستقبل السياحة الفاخرة في البلاد.
أرابيدا البرتغالية
وفي البرتغال، خرج مئات المحتجين في محمية أرابيدا الطبيعية رفضًا لمشروع يهدف إلى خصخصة خمسة شواطئ لصالح شركة عقارية فاخرة. وأكد سكان مدينة سيتوبال، الواقعة جنوب لشبونة، أن هذه الشواطئ تمثل جزءًا من ذاكرتهم الجماعية، حيث تعلموا السباحة فيها، مطالبين بالحفاظ على حق الأجيال المقبلة في الوصول إليها.
ورفع المحتجون شعارات من بينها: "أرابيدا ليست للبيع" و"لا لملوك جدد"، في رسالة تعكس رفضهم لتحويل الموارد الطبيعية إلى ملكيات خاصة تخدم الأثرياء.
وتكتسب قضية أرابيدا أهمية خاصة بعد إدراجها ضمن محميات المحيط الحيوي التابعة لليونسكو، بفضل تنوعها البيئي وما تحتضنه من غابات وشواطئ وأنشطة تقليدية مثل الصيد وزراعة الزيتون وإنتاج النبيذ.
ويشير منتقدو المشروع إلى أن الجهة الداعمة له تنتمي إلى واحدة من أبرز العائلات الاستثمارية في البرتغال، والتي راكمت ثروتها في قطاع الطيران، وحصلت على عقود حكومية، كما واجهت انتقادات من منظمات حقوقية بسبب استخدام بعض طائراتها في تنفيذ عمليات ترحيل مهاجرين لصالح الحكومة البريطانية.
ويرى المحتجون أن ما يحدث في أرابيدا يعيد إلى الأذهان تجربة شبه جزيرة ترويا المجاورة، التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى منتجع فاخر يضم عقارات مملوكة لعدد من المشاهير العالميين، ما جعلها بعيدة عن متناول السكان المحليين.
أزمة عميقة
وتعكس هذه الاحتجاجات أزمة أعمق تعيشها البرتغال ودول جنوب أوروبا، حيث تتباهى الحكومات بمعدلات النمو الاقتصادي والانضباط المالي، في حين يجد كثير من المواطنين أنفسهم عاجزين عن تحمل تكاليف إجازة داخل بلدانهم. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من ثلث البرتغاليين لا يستطيعون تحمل نفقات عطلة تستمر أسبوعًا، بينما يواصل الشباب الهجرة بحثًا عن فرص أفضل.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على البرتغال.
ففي قبرص تستقبل البلاد أكثر من مليون سائح بريطاني سنويًا، لكنها تسجل في الوقت نفسه أحد أعلى معدلات الهجرة داخل الاتحاد الأوروبي. أما في اليونان، فيعجز نحو نصف السكان عن قضاء عطلة في جزرهم الشهيرة، بينما لا تزال إسبانيا تواجه معدلات مرتفعة من بطالة الشباب رغم استمرار النمو الاقتصادي.
وبينما تتواصل حركة الطائرات منخفضة التكلفة والطائرات الخاصة نحو المنتجعات الأوروبية، تتسع الفجوة بين الصورة الاقتصادية المعلنة والواقع الذي يعيشه سكان تلك الوجهات، لتتحول السياحة المفرطة من قصة نجاح اقتصادي إلى قضية اجتماعية وسياسية تتصدر المشهد الأوروبي.