الموت في الصف الدراسي.. إخوان السودان يفخخون المستقبل (خاص)
في مؤشر وصف بـ«الخطير والكارثي»، حول تحويل إخوان السودان وذراعهم المسلحة «كتيبة البراء بن مالك» المدارس إلى منصات للتعبئة الأيديولوجية واستهداف الأطفال بخطاب الكراهية والتحريض.
مشهد أعاد إلى الأذهان «أكثر صفحات السودان إيلامًا» خلال حقبة حكم الإسلاميين، واعتبره خبراء استطلعت «العين الإخبارية» آراءهم محاولات ممنهجة لـ«عسكرة التعليم وتسييسه»، تعد دليل إثبات قانوني كافيا لتحريك ملاحقة جنائية دولية تجاه المسؤولين عن تلك السياسات.
فما القصة؟
في مقطع فيديو تداوله ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، ظهر أحد قادة كتيبة البراء بن مالك وهو يخاطب طلابًا داخل إحدى المدارس، مستخدمًا خطابًا مشحونًا بمفردات الانتقام والوعيد.
اللقاء الذي كان محاولة من تنظيم الإخوان وأذرعه المسلحة لكسر صمود إضراب المعلمين، تحول إلى منصة للكراهية، ومساحة لتجنيد الأطفال ودعوتهم إلى القتال، مما أعاد إلى الواجهة اتهامات متكررة بأن تنظيم الإخوان يوظف الحرب لتعزيز نفوذه عبر أذرعه المسلحة، في مسار يهدد بتحويل المدارس من مصانع للمعرفة إلى بوابات لإنتاج مقاتلين، بما يضيف فصلًا جديدًا إلى المأساة السودانية.

خطوة قال معلمون في بيان، إنه لا يمكن فصلها عن التصريحات التي أطلقها مدير عام وزارة التربية والتعليم بولاية الجزيرة سابقا أبو الكرام، بمحلية الكاملين قبل أشهر، عندما هددهم بأنه حال دخولهم في إضراب للمطالبة بحقوقهم المشروعة فسيتم استبدالهم بعناصر من الكتائب المقاتلة، وعلى رأسها كتيبة البراء بن مالك، ودرع السودان الموالية للجيش، معتبرين تلك المحاولات مؤشراً خطيراً على عسكرة التعليم وتسييسه.
إرث إخواني
وإلى ذلك، قال حاتم إلياس، عضو المجلس العدلي لتحالف «تأسيس السودان»، إن ظهور عناصر من كتيبة البراء بن مالك داخل المدارس لا يمثل تطورًا جديدًا، بل يعد امتدادًا للنهج الذي تبنته الحركة الإسلامية منذ وصول نظام عمر البشير إلى السلطة، حين جعلت من المؤسسات التعليمية والعقول الناشئة بيئة مفضلة لغرس أفكارها الأيديولوجية.

وأوضح عضو المجلس العدلي لتحالف «تأسيس السودان»، في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن هذا الأسلوب ليس حكرًا على السودان، بل يمثل نهجًا اتبعته جماعة الإخوان في عدد من الدول العربية، وإن اختلفت درجات تأثيره، من خلال استهداف الأطفال والناشئة قبل اكتمال وعيهم السياسي والفكري، بهدف تشكيل قناعاتهم بما يخدم مشروع الجماعة.
مؤشرات خطيرة
واعتبر أن ظهور أحد عناصر كتيبة البراء بن مالك وسط طلاب المدارس يمثل «مؤشرًا بالغ الخطورة»، كونها تجد بيئة مواتية في ظل هيمنة الإسلاميين على السلطة الحالية، الأمر الذي يجعل التصدي لها أكثر صعوبة.
وحول الهدف من تلك الممارسات، قال عضو المجلس العدلي لتحالف «تأسيس السودان»، إن الهدف المباشر لا يتمثل بالضرورة في تجنيد الأطفال للقتال فورًا، وإنما في تعبئتهم بالشعارات والأفكار تمهيدًا لإعدادهم لمرحلة لاحقة، موضحًا أن رؤية الحركة الإسلامية تقوم، في جوهرها، على تعبئة المجتمع بأكمله ضمن مشروع تعبوي ذي طابع جهادي تقوده الجماعة.
وكان المرصد الوطني السوداني لحقوق الإنسان، أشار في بيان سابق إلى خطط كتيبة البراء بن مالك وقادتها، لنشر سمومهم بين الأطفال في المراحل التعليمية المختلفة، قائلا، إن قادة كتيبة البراء بن مالك ظلوا يتحركون داخل المدارس بحرية، ويستهدفون الأطفال والطلاب المستضعفين.

وطالب بعدم استغلال المؤسسات التعليمية وتحويلها إلى ساحات للتجنيد أو التحشيد السياسي، مشيرًا إلى أن هذه الممارسات لا تتوقف عند تقديم حصص دراسية بديلة، بل تشمل استخدام المدارس كبيئات لتجنيد الأطفال.
وفيما قال حاتم إلياس، عضو المجلس العدلي لتحالف «تأسيس السودان» إن هذه الممارسات ليست سابقة في تاريخ السودان، استشهد بما حدث في بدايات حكم نظام الإنقاذ، عندما جرى، الدفع بأطفال وطلاب مدارس إلى جبهات الحرب في جنوب السودان تحت شعارات دينية، في تجربة تعود اليوم بصور وأدوات مختلفة.
تجنيد ممنهج
في السياق نفسه، قال المحلل السياسي السوداني سيبويه يوسف، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن ظهور جماعات مثل «البراعم» في المدارس لا يمكن فصله عن واقع سيطرة التيارات الإسلامية على مقاليد الأمور وسعيهم للتحكم في المشهد.
يتجلى هذا النفوذ في عدة إشكاليات كبرى، أبرزها عمليات التجنيد الممنهجة، والدعوات المستمرة للاستنفار، والضغط على الشباب للمشاركة في العمليات العسكرية؛ الأمر الذي يلقي بظلاله على تطورات الحرب الحالية ويخلق أزمات معقدة في السودان، بحسب المحلل السياسي السوداني.
وحذر من أن هذا التأثير السلبي يمتد مباشرة إلى المناهج التعليمية والطلاب في المدارس، في نهج أعاد إلى الأذهان تجارب سابقة مريرة دفع السودان ثمنها غالياً، مشيرًا إلى أن تحويل النزاع في السابق أدى إلى حرب دينية وإعلان الجهاد ضد مواطنين تجمعهم معا روابط وثيقة، مما نتج عنه انفصال جنوب السودان.

وبحسب المحلل السياسي السوداني، فإن الحركة الإسلامية تواصل استخدام هذا النهج ضد أي مكون يناهض مسار التغيير أو يحمل رؤية مغايرة، مؤكدًا أن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل/نيسان لم تكن مجرد مواجهة ضد فصيل عسكري أو تنظيم سياسي محدد، بل كانت حرباً موجهة ضد مكونات مجتمعية بأكملها، مستهدفةً الدولة السودانية ونسيجها الاجتماعي.
واعتبر ظاهرة تجنيد الأطفال وتعبئتهم إحدى أكثر الممارسات خطورة؛ التي قال إنها تعد دليلا واضحاً على نفاد المخزون البشري والعددي اللازم لاستمرار الحرب، مما حدا بتنظيم الإخوان إلى استغلال الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع لإطالة أمد الصراع.
ماذا عن التداعيات القانونية؟
قال الدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي العام في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن المشهد الذي وثّقته مقاطع متداولة لعنصر من كتيبة البراء بن مالك يظهر داخل مدرسة يُلقّن فيها الأطفال رسائل انتقامية «يُشكّل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي الإنساني يرقى إلى مستوى جريمة الحرب الموجبة للملاحقة الجنائية الدولية».
وأوضح عضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي، أن القانون الدولي الإنساني يُحدد منظوماً تشريعياً متكاملاً لحماية الأطفال من التجنيد يقوم على مستويين، الأول هو البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل المتعلق باشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة OPAC الذي صادق عليه السودان والذي يحظر صراحةً تجنيد أو استخدام أي شخص دون الثامنة عشرة في أعمال عدائية من قبل الجماعات غير الحكومية دون أي استثناء
أما الثاني فهو نظام روما الأساسي الذي يُجرّم في المادتين 8/2/ب/26 و8/2/ه/7 تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة أو استخدامهم للمشاركة الفعلية في الأعمال العدائية بوصفه جريمة حرب، يضيف مهران، مشيرًا إلى أن استخدام مدرسة بوصفها مكاناً للتعبئة يُضيف انتهاكاً موازياً يتعلق بحماية المنشآت التعليمية المنصوص عليها في البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف.
وأوضح أن المسؤولية القانونية الأشمل تنبثق من مبدأ مسؤولية القائد المنصوص عليه في المادة 28 من نظام روما الأساسي التي تُلزم القادة العسكريين بمنع جرائم مرتبطة بتجنيد الأطفال إذا علموا أو كان ينبغي لهم أن يعلموا بها والمعاقبة عليها.
ولفت إلى أن التداعيات الإنسانية بعيدة المدى لعسكرة التعليم واستهداف المدارس تتجلى في ثلاثة أبعاد:
- أولها: تدمير مسار التنمية الإنسانية للأطفال إذ يُحوّلهم من طلاب مستقبل إلى وقود للحرب
- ثانيها: تحويل المدارس من مواقع محايدة مشمولة بالحماية الدولية إلى أهداف ذات صلة بالنزاع ما يُعرّضها لاحقاً للاستهداف المضاد
- ثالثها: ترسيخ ثقافة العنف في وجدان جيل بأكمله يحمل بذور التطرف والانتقام كمرجعية وحيدة.
آليات المحاسبة
وبين مهران أن الآليات الدولية المتاحة للمحاسبة تشمل التحقيق الجاري لبعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق في السودان التي أصدرت في الثامن من يوليو/تموز الجاري تقريراً يؤكد مؤشرات إبادة جماعية في الفاشر، فضلاً عن الإحالة الموجودة أصلاً لمجلس الأمن بموجب قرار 1593 لعام 2005 التي تمنح المحكمة الجنائية الدولية ولاية قضائية على الجرائم الخطيرة في دارفور ويمكن توسيع تطبيقها.
وأكد الخبير الدولي أن التوثيق المرئي لعضو مسلح يُعبّئ أطفالاً داخل فصل دراسي هو بحد ذاته دليل إثبات قانوني كافٍ لتحريك ملاحقة جنائية دولية.
وطالب المجتمع الدولي وخاصة منظمة يونيسف ومكتب الأمم المتحدة المعني بالأطفال والنزاعات المسلحة بتوثيق هذه الحوادث وضمها لملف المساءلة السوداني قبل أن تتحول جريمة اليوم إلى نمط ممنهج غير قابل للمحاسبة.