في اللحظة التي تشرع فيها أمةٌ في صياغة الغد، واهبةً التاريخ درساً في العبور نحو المستقبل حيث الضياء، يرتد العقل الظلامي إلى غريزته الأولى، محاولاً هدم كل منجزٍ إنساني وحضاري يعكس عورات عجزه التاريخي.
إن الاعتداء الإرهابي الآثم الذي حدث الأسبوع الماضي في محيط محطة «براكة» للطاقة النووية السلمية بدولة الإمارات العربية المتحدة، يتجاوز حدود الفعل الإجرامي ضد دولة الإمارات، بل يضع المجتمع الدولي بأسره أمام جرس إنذار بالغ الخطورة، يعيد ترتيب أولويات الأمن الإقليمي.
إن استهداف منشأة مدنية تنموية حساسة مثل محطة «براكة»، يضع العالم أمام مرآة الحقيقة؛ ليوقن أن قوى الهدم والدمار لا تطيق رؤية منارةٍ حضارية ترتفع، وأن الإرهاب الذي يرعاه النظام الإيراني وأذرعه المليشياوية، جنباً إلى جنب مع أيديولوجيا الخراب التي يتبناها تيار الإسلام السياسي من إخوان وغيرهم، يبدأ دوماً بمحاولة تكسير وهدم محيطه المباشر، وسرعان ما يتحول إلى وحشٍ عابر للحدود، ينشر إرهابه وفوضاه في الجسد الإقليمي، بل والعالم بأسره.
ونحن في السودان أعلمُ من غيرنا بهذه الجماعات الإرهابية المدعومة من ملالي إيران؛ فقد حكمونا لثلاثة عقود، أذاقوا فيها الشعب الأمرّين، وحين هبّ الشعب ضدهم واقتلعهم، عادوا عبر بوابة الجيش الذي يسيطرون عليه، ليحرقوا البلاد ويقتلوا ويجوّعوا ويشرّدوا شعبها، مدعومين بالسلاح الإيراني، لا لشيء سوى من أجل العودة إلى حكم السودان، باقين على رؤوس الشعب، وبغاةً على من يقف إلى جانبه.
لقد تجرعنا مرارة هذه الكأس حتى ثمالتها، وشهدنا كيف ينسلّ فكر التطرف الأيديولوجي في مسامات الأوطان، وكيف يتسلل تيار الإسلام السياسي إلى مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية ليفخخها من الداخل باسم الدين.
ورأينا كيف يُساق المجتمع بالخوف ليتنازل عن كبريائه، وكيف تتحول الدولة ـ حين تقع في أيدي هؤلاء الإرهابيين ـ من مظلة تحمي أحلام البسطاء وترعى معاشهم، إلى منصة شرسة لتصدير الموت وتفخيخ طمأنينة الجوار، تماشياً مع أجندات التمدد الإيراني وحلفائه.
لقد توهّم ضمير العالم، حيناً من الدهر، أن بالإمكان حصر الحريق داخل حدودنا، ليصحو متأخراً على حقيقة أن هذا التحالف الأيديولوجي الإرهابي لا يعترف بخرائط، ولا تحكمه كلفة إنسانية، ولا توقفه دمعة طفل أو صرخات الثكالى.
إن العقيدة الإرهابية، سواء تبرقعت بشعارات «تصدير الثورة»، أو تمسحت بعباءة الإسلام السياسي التي تتدثر زيفاً بغطاء السيادة والكرامة الإنسانية، هي عدوة لكل قيمة إنسانية عليا؛ لا ترى في الدم البشري قدسيةً تستوجب الصون، بل تعدّه مجرد حبرٍ رخيص تُكتب به سطور مشاريعها الواهمة.
وحين تصطدم هذه الجماعات بجدار الرفض الشعبي والوعي التنموي، لا تلجأ إلى تحكيم العقل أو الانحياز للسلام، بل تندفع نحو هاوية السقوط الأخلاقي الأخطر: منطق الموت المجاني، كما يفعلون الآن بالسودان وشعبه.
إنها الروح الانتحارية، والعدمية المقيتة، التي تلخص بؤسها في معادلة صفرية دموية: «إما دماء تُراق لنحكم، أو فلترقْ كل الدماء». وإنه النزوع الأعمى الذي يرى في تدمير الحواضر والمنشآت المدنية الحضارية، وإطفاء النور، انتصاراً وشفاءً لأحقاده الدفينة ضد منجزات التحديث والتقدم.
لذلك، فإن وقوفنا اليوم مع دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة ليس مجرد تضامن مع دولة فتحت أبوابها وصدور شعبها للسودانيين عندما أغلقها آخرون في وجوههم، بل هو التزام وجودي، وانحياز غريزي للحياة والحداثة ضد قوى الظلام والتخلف والعدم.
إنها معركة إنسانية واحدة، وعدو واحد، ضد مشروع إلغاء الإنسان؛ تتبدل فيها أسماء التنظيمات والمليشيات وشعاراتها، من أفغانستان وطهران إلى أم درمان، لكن أصل الداء واحد: إخضاع المجتمعات بالترهيب، وهدم ركائز الدولة الوطنية بالبارود والمشروع الطائفي.
إن الوقوف مع الإمارات في هذه المعركة هو انتصار لمنطق البناء والسيادة في وجه معاول الخراب والإرهاب الإقليمية.
إن السلام الحقيقي في منطقتنا لن يولد من رحم المواربة، ولا من سياسات استرضاء التطرف ومراعاة رعاته، بل يخرج من مشكاة المواقف الصلبة الشجاعة التي ترفض الوجل، وتسمّي الأشياء بأسمائها دون مواربة؛ صيانةً لمستقبل أجيالنا، ودفاعاً عن حقنا الإنساني الأصيل في أن نعيش تحت الشمس بكرامة وأمان وسلام.. غصباً عن إخوان بورتسودان وملالي إيران.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة