الإمارات من أشد دول العالم إيماناً بأنه لا يوجد رابح في الحروب وفي الصراعات العسكرية، فكل الأطراف الداخلة أو المشاركة في الحروب خاسرة، هكذا تؤكد التجارب التاريخية للأمم.
لذا فإن دعوات دولة الإمارات المستمرة، وإلحاحها بأهمية حل الأزمات والخلافات عن طريق الحوار والتفاوض وبالدبلوماسية بما فيها الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد النظام الإيراني منذ قبل بدء الحرب وإلى وقتنا الحاضر، ناتج من هذا الاعتقاد والإيمان.
حدثت الحرب الأمريكية الإيرانية التي بدأت في 28 فبراير/شباط الماضي وما زالت مستمرة ضمن حالة من الشحن السياسي والإعلامي المستمر منذ 47 عاماً بين الطرفين ولم يكن لدى أي منهما القدرة أو الرغبة في تقبل شروط الآخر مع أن في حقيقة الأمر كل طرف؛ الأمريكي والإيراني، يعرف ماذا يريد من الآخر.
الطرف الأمريكي رافض حصول إيران على السلاح النووي؛ لأن القابضين على الحكم في إيران يتخذون قراراتهم وفق منطق أيديولوجي وليس سياسيا في حين الطرف الإيراني يريد من الجانب الأمريكي أن يغض الطرف عن فوضويته المليشياوية في المنطقة ويصمت عن تهديد حلفاء ومصالح الولايات المتحدة في المنطقة.
بمعنى آخر، صعوبة التقريب بينهما (الأمريكي-والإيراني) سواء بالوساطة العمانية التي كانت قبل بدء الحرب أو الباكستانية التي تبذل جهداً كبيراً لإقناع الطرف الإيراني بأن العودة إلى الحرب سيكون بمثابة المزيد من تدمير الدولة الإيرانية؛ ليس ناتجا عن سوء فهم بقدر ما أن التصلب والتعنت في كل طرف نابع من شعارات سياسية متمثلة في تسجيل "انتصار وهمي"؛ لأن الطرفين خاسر وإن كان الطرف الإيراني أكثر خسارة، وعليه فإن ما يطرح حالياً بشأن مذكرة تفاهم حول البنود التفاوض هي فرصة ينبغي الاستفادة منها.
لهذه الحرب مواصفات مختلفة عن كل الحروب التي مرت على العالم أبرز خاصيتها: عدوان النظام الإيراني انصب على دول مجلس التعاون الخليجي والإمارات بشكل أخص مع أنها ليست طرفا في الحرب وهو أمر استعصى حتى الاستراتيجيين لمعرفة الأسباب غير أن النظام الإيراني فاقد "للذكاء السياسي" حيث إن الموقف الذي فيه يتطلب منه كسب أصدقاء أكثر بدلاً من خسارتهم.
والخاصية الأخرى في هذه الحرب، أنّ تداعياتها أو خسائرها لامست جميع الدول في العالم، فلا يوجد فيها رابح بما فيها الأطراف البعيدين منها مثل أوروبا الغربية والدول الأفريقية، وهذا ما يؤكد مصداقية القناعة الإماراتية بأن حل الأزمات لا يتم بالحروب والصراعات.
باتت هناك قناعة أمريكية-إيرانية بأن العودة للحرب فيها خسارة كبيرة ولكن على الطرفين الأمريكي والإيراني أن يثبتا للمجتمع الدولي، خاصة لدول المنطقة أنهما جديان في إيجاد مخارج لهذه الحرب المدمرة من خلال وضع حد لتعنت النظام الإيراني ومماطلته، كما أن على الولايات المتحدة تحمل مسؤوليتها الدولية في الحفاظ على الاستقرار بمفهومه الشامل؛ لأن ترك الأمر دون حسمه سيشجع الأنظمة الشمولية على شاكلة النظام الإيراني بترهيب العالم وتهديد الدول المستقرة.
في الاستراتيجيات، الحروب أحياناً تكون وسيلة لفك الاشتباك بين الطرفين من منطلق أنه لا يمكن الجلوس على طاولة المفاوضات للحديث والتفاهم إلا بعد خوض حرب وصراع عسكري مسلح، وبعد أن يختبر كل طرف قدرات الآخر وبعدها يتم الجلوس للتفاهم والنقاش وربما أمريكا وإيران توصلتا إلى هذه القناعة بعد مرور أربعة أشهر من الحرب.
المنطقة تحتاج إلى حوار جدي مبني على الاحترام المتبادل بين إيران وجوارها الجغرافي. الواقع أنه لا توجد منطقة في العالم يوجد فيها طرف لا يرى في جيرانه إلا من منظار عداوة وفوقية؛ مع أن هذا الجار الخليجي لا يحمل لإيران الدولة والشعب إلا الرغبة في النهوض والعيش الكريم وفق منطق الجار القوي أساس وعامل مهم لقوة المنطقة كلها وازدهارها.
الخليجيون وعلى رأسهم دولة الإمارات يدعمون الجهود السلمية للخروج من هذه الحرب التي فرضت عليهم، لكن في المقابل هذا لا يعني أن نتجاهل التهديدات الإيرانية ومغامراتها السياسية؛ لأن ما جاء منها من عدوان كان محل تفكير وتوقع لكن خلال الحرب تحول إلى واقع وسلوك عدواني فعلي وعملي، يجب عدم تمريره والتسامح فيه.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة