«محاصرة» خيار الحرب.. مطالب سودانية بتوسيع نطاق حظر السلاح (خاص)
مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تتزايد الدعوات المحلية والدولية إلى اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية للحد من استمرار النزاع والتخفيف من تداعياته الإنسانية المتفاقمة.
وفي ظل التحذيرات الأممية من تدهور الأوضاع الميدانية وتصاعد المخاطر التي تهدد المدنيين، برزت مطالب بتوسيع نطاق حظر السلاح ليشمل جميع الأراضي السودانية، بدلاً من قصره على إقليم دارفور.
وفي هذا السياق، أكد سياسيون ومراقبون سودانيون، تحدثوا لـ«العين الإخبارية»، أن حماية المدنيين تقتضي وفاء المجتمع الدولي بالتزاماته عبر تبني قرارات توقف تدفق السلاح والعتاد الحربي إلى مختلف أنحاء السودان، باعتبارها خطوة ضرورية لدعم جهود وقف القتال وتهيئة الظروف أمام الحل السلمي.
إنذار أحمر في كردفان
وكان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك قد حثّ مجلس الأمن الدولي على التحرك لمنع كارثة وشيكة في مدينة الأبيض في إقليم كردفان غربي السودان، مؤكداً أن تصاعد الهجمات يفرض على المجتمع الدولي الوفاء بالتزاماته تجاه حماية المدنيين.
وجاءت تصريحات تورك خلال جلسة عاجلة لمجلس حقوق الإنسان، حيث قال إن الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تواجه وضعاً حقوقياً خطيراً بعد نحو 18 شهراً من ظروف تشبه الحصار، محذراً من أن استمرار القتال يهدد بتكرار نماذج عنف واسعة شهدتها مناطق أخرى.
ووصف تورك التصعيد بأنه «إنذار أحمر» يستدعي ضغطاً دولياً للعمل على وقف تدفق الأسلحة من أطراف خارجية، وفرض هدنة إنسانية عاجلة.
كما دعا إلى توسيع نطاق حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل جميع أنحاء السودان لقطع خطوط الإمداد التي تطيل أمد الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات.
السبيل الأمثل لإنهاء الحرب
واتساقا مع ذلك، أكد القيادي في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة السودانية «صمود»، خالد عمر يوسف، في حديث خاص لـ«العين الإخبارية» استحالة الحسم العسكري للصراع في السودان، وأنه لا سبيل آخر سوى الضغط لإنهاء الحرب عبر وقف تدفق السلاح كلياً.
وقال: «بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه لا يوجد حل عسكري لهذا الصراع، ومع ذلك لا تزال بعض الأطراف تراهن على الحسم العسكري رغم كلفته الإنسانية الباهظة». وبحسب يوسف، فلا سبيل آخر سوى الضغط لإنهاء الحرب عبر وقف تدفق السلاح كلياً.
وأشار إلى أن مجلس الأمن الدولي سبق أن فرض حظر السلاح على دارفور بموجب القرار 1591 (2005)، وطبقه على جميع أطراف النزاع حمايةً للمدنيين المكتوين بنيران النزاع.
وأضاف: «واليوم، وبعد أن امتدت الحرب إلى معظم أنحاء السودان، أصبح من الضروري توسيع هذا الحظر ليشمل كامل البلاد، لدفع جميع الأطراف نحو وقف فوري لإطلاق النار واختيار الحل السلمي التفاوضي سبيلاً أوحد لتسوية جميع القضايا التي قادت لهذه الحرب المدمرة».
حرب مفتوحة تتجاوز الحدود
من جهته، طالب القيادي بحزب الأمة القومي في السودان، عروة الصادق، المجتمع الدولي بأن أي مقاربة دولية جادة لحماية المدنيين تستوجب دراسة توسيع نطاق حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية، بحيث يُحرم جميع أطراف النزاع من الحصول على مزيد من أدوات التصعيد العسكري، مع تطوير آليات فعالة للرصد والتنفيذ حتى لا يبقى القرار حبراً على ورق، على حد قوله.
وقال لـ«العين الإخبارية»: «ومن هذا المنطلق فإن قصر حظر السلاح على دارفور لم يعد ينسجم مع طبيعة الحرب الحالية، التي أصبحت حرباً وطنية مفتوحة تتجاوز حدود إقليم بعينه».
وأضاف: «في تقديري فإن هذا الإجراء ينبغي أن يترافق مع دراسة خيارات إضافية لحماية المدنيين، من بينها بحث آليات دولية تحد من استخدام الطيران العسكري ضد المناطق المأهولة، إذا توافرت الشروط القانونية والسياسية لذلك، إضافة إلى تشديد الرقابة على مسارات تهريب السلاح والتمويل، وتعزيز العقوبات الموجهة ضد الأفراد والكيانات التي تثبت مساهمتها في إطالة أمد النزاع أو ارتكاب انتهاكات جسيمة، وفقاً للإجراءات القانونية الدولية».
وبحسب عروة الصادق، فإن المجتمع الدولي مطالب بعدم الاكتفاء بإدارة الأزمة الإنسانية، وإنما بالتصدي للبنية التي تغذي استمرار الحرب، بما في ذلك شبكات التمويل غير المشروع، والجهات التي توفر الدعم اللوجستي أو الاقتصادي لاستمرار القتال، أياً كان الطرف الذي تنتمي إليه، وبالاستناد إلى الأدلة والآليات القانونية الدولية.
وتابع بالقول: «أرى أن حماية المدنيين في السودان لن تتحقق عبر بيانات الإدانة وحدها، فالمطلوب انتقال مجلس الأمن من مرحلة التعبير عن القلق إلى مرحلة الإجراءات العملية القادرة على خفض مستوى العنف، فكل يوم تتأخر فيه هذه الخطوات يعني مزيداً من الضحايا، ومزيداً من الدمار، ومزيداً من الانزلاق نحو حرب يصعب احتواء آثارها على السودان والإقليم بأسره».
ضرورة محاسبة الإخوان
المحلل السياسي في السودان، سيبويه يوسف، يرى أن المجتمع الدولي مطالب في الأساس بإجبار الجيش السوداني وكتائب «الإسلاميين» على وقف الحرب وبشكل عاجل، لأنهم، بحسب سيبويه، هم الطرف الذي ظل يمانع ويعرقل أي جهود لإيقاف الحرب.
وقال سيبويه لـ«العين الإخبارية»: «ينبغي ألا تكون هناك أي معايير (مختلة) لدى الدوائر العالمية، فالجيش السوداني هو من استخدم الأسلحة الكيميائية، ولا يزال طيرانه يقصف المستشفيات والأسواق والمناطق المأهولة بالسكان على أساس أنها تمثل، بحسب زعمه، (حواضن) اجتماعية لقوات الدعم السريع».
وأضاف: «يجب أن ننظر إلى الأمور من مستوى أعلى، بأن هذه الحرب يجب أن تتوقف، ويجب أن يكون للمجتمع الدولي دوره القوي والحاسم والفاعل في إجبار الطرف الذي يريد استمرارها، ويريد أن يستثمر فيها».
وأشار إلى أن طيران الجيش السوداني لا يزال يهاجم مناطق كثيرة في دارفور، رغم وجود قرار بحظر الطيران في دارفور.
وطالب سيبويه المجتمع الدولي بضرورة اتخاذ قرارات حاسمة ورادعة ضد الذين يؤججون الحرب في السودان من جماعات التنظيم الإخواني، ومحاسبتهم وفقاً للقوانين الدولية.
نظرة شمولية أوسع
أما بالنسبة للمحلل السياسي والكاتب الصحفي في السودان، أحمد خليل، فإن المجتمع الدولي مطالب بألا تقتصر رؤيته في إيقاف الحرب بناءً على ما يجري فقط في مدينة الأبيض، رغم ما يتعرض له المدنيون فعلاً في «الأبيض» من مأساة إنسانية واسعة شملت التدهور في كافة مناحي الحياة.
وقال خليل، الذي تحدث لـ«العين الإخبارية»، إن مناطق السودان كلها تعاني من ويلات الحرب وبأشكال مختلفة، سواء بمواجهة المدنيين للموت المحتوم والمباشر بآلة الحرب، أو بالاضطرار للنزوح واللجوء، أو بانعدام الخدمات الحياتية وتدهور الاقتصاد وانهيار المنظومة الصحية في البلاد.
وقال: «لهذا ينبغي أن يشمل توسيع نطاق حظر السلاح كل مناطق السودان، سواء التي تقع تحت سيطرة الجيش السوداني، أو تلك التي تحت سيطرة الدعم السريع».
وأشار خليل إلى أن قطع الإمداد الحربي والتسليح عن طرفي النزاع هو الضامن الأمثل لإيقاف الحرب، لأنه، بحسب خليل، يعني عملياً خضوع الدول والكيانات الداعمة بالسلاح لطرفي النزاع للرأي العالمي المطالب بإنهاء الحرب وتجفيف مواردها فوراً.
ودعا خليل المجتمع المحلي في السودان إلى رفع صوتهم المناهض للحرب حتى تتبلور الرؤية الداعية إلى إيقاف الحرب، وتغدو هي المصدر الأهم في تغذية الرأي العالمي والإقليمي لأجل محاصرة خيار الحرب عبر القرارات العقابية الأممية لدعاة استمرار الحرب، وإرساء قيمة عدم الإفلات من العدالة مستقبلاً.
موقف إماراتي منسجم
وليس بعيداً عما ذهب إليه السياسيون والمراقبون السودانيون الذين تحدثوا لـ«العين الإخبارية» مطالبين المجتمع الدولي بضرورة توسيع نطاق حظر السلاح في السودان، بغرض إجبار الأطراف المتنازعة على إيقاف الحرب، كانت دولة الإمارات تصدح بذات الأشواق السودانية من داخل المنابر والمحافل الدولية.
حيث قالت دولة الإمارات إن تصاعد القتال في مدينة الأبيض والمناطق المحيطة يؤكد غياب أي حل عسكري للنزاع في السودان، مجددة دعوتها إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار وفتح مسار إنساني عاجل.
وجاء موقف الإمارات خلال جلسة عاجلة عقدها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لمناقشة التطورات في مدينة الأبيض، حيث شددت على ضرورة إنهاء الهجمات التي تطال المدنيين والبنية التحتية في مختلف أنحاء البلاد.
وأكدت الإمارات في بيانها إدانة جميع الانتهاكات التي يرتكبها طرفا النزاع، ودعت إلى توسيع نطاق حظر الأسلحة ليشمل كامل الأراضي السودانية باعتباره خطوة ضرورية لوقف الأعمال العدائية وضمان حماية المدنيين، مع التأكيد على أهمية وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.