في الوقت الذي يدفع فيه الشعب السوداني ثمناً باهظاً للحرب الدائرة في البلاد، تتزايد التساؤلات حول الجهات المستفيدة من استمرار الصراع، والأطراف التي ترى في إطالة أمد الأزمة فرصة للعودة إلى المشهد السياسي من بوابة الفوضى والاضطراب.
وفي مقدمة هذه الأطراف تبرز جماعة الإخوان، التي تواجه اتهامات متصاعدة بالسعي إلى تعطيل أي مسار جاد يقود إلى السلام والاستقرار.
منذ سقوط نظام الحركة الإسلامية عقب ثورة ديسمبر، لم تُخفِ الجماعة رفضها للتحولات السياسية التي طالبت بها الجماهير السودانية، وفي مقدمتها بناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على التداول السلمي للسلطة وإنهاء عقود من التمكين الحزبي. ومع تراجع نفوذها السياسي والشعبي، بدا أن خيار العودة عبر صناديق الاقتراع لم يعد مضموناً، ما جعل الفوضى والصراع بيئةً أكثر ملاءمة لإعادة إنتاج النفوذ المفقود.
وتكشف ممارسات الجماعة وخطاباتها خلال السنوات الأخيرة عن نمط متكرر يقوم على استثمار الأزمات بدلاً من البحث عن حلول لها. فكلما اقتربت الأطراف من طاولة الحوار، ارتفعت أصوات التشكيك والتخوين والتعبئة الأيديولوجية، وكأن السلام يمثل تهديداً مباشراً لمشروعها السياسي، بينما تشكل الحرب فرصةً لإعادة ترتيب الأوراق وإطالة عمر نفوذها داخل بعض المؤسسات ومراكز القوة.
والأخطر من ذلك هو السعي المستمر لتحويل الحرب من صراع سياسي وعسكري إلى معركة وجود وهوية، عبر خطاب تعبوي يستحضر الشعارات العقائدية ويغذي الانقسام المجتمعي. فهذا النهج لا يهدف إلى حماية الدولة أو الحفاظ على وحدتها، بل إلى إغلاق أبواب التسوية السياسية وإبقاء المجتمع في حالة استقطاب دائم تخدم مصالح الجماعة أكثر مما تخدم الوطن.
كما أن الاستثمار في الانقسامات القبلية والجهوية يمثل أحد أخطر مظاهر هذا السلوك السياسي. فبدلاً من تعزيز الوحدة الوطنية في مواجهة الأزمة، تُستخدم التباينات الاجتماعية وقوداً إضافياً للصراع، الأمر الذي يهدد النسيج الوطني ويترك جراحاً قد تستمر آثارها لعقود طويلة.
لقد أثبتت التجارب في أكثر من دولة أن جماعات الإسلام السياسي، عندما تفقد نفوذها عبر الوسائل الديمقراطية، غالباً ما تلجأ إلى تأزيم المشهد وإرباك مؤسسات الدولة، أملاً في استعادة حضورها. والسودان اليوم يواجه هذا التحدي بوضوح، حيث تتقاطع مصالح بعض القوى الأيديولوجية مع استمرار الحرب وتعثر الحلول.
إن مستقبل السودان لا يمكن أن يُبنى على الفوضى أو الاستقطاب أو استغلال معاناة المواطنين. فالطريق إلى الاستقرار يمر عبر السلام والحوار وبناء دولة المؤسسات، لا عبر إعادة إنتاج المشاريع الإقصائية التي لفظها الشارع السوداني. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت الحاجة إلى مواجهة القوى التي تستثمر في الأزمة، وكشف الأجندات التي تضع مصالح التنظيم فوق مصلحة الوطن.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة