الإعلام غير المنضبط ليس مشكلة تخص دولة بعينها، ولا قضية ترتبط بحدود جغرافية، بل تحول اليوم إلى تحدٍ عالمي يهدد الأمن المجتمعي والاستقرار السياسي والاقتصاد، وحتى الصحة العامة.
ومع التطور الهائل في وسائل الاتصال، أصبحت المعلومة تنتقل إلى ملايين الأشخاص خلال ثوانٍ، فيما تحتاج الحقيقة، في كثير من الأحيان، إلى ساعات أو أيام حتى تثبت نفسها.
تشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 5.6 مليار شخص حول العالم يستخدمون الإنترنت، بينما تجاوز عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي 5.3 مليار مستخدم، أي ما يقارب ثلثي سكان العالم. وفي ظل هذا الحجم غير المسبوق من الاتصال، أصبحت أي معلومة، صحيحة كانت أم مضللة، قادرة على الوصول إلى جمهور عالمي خلال لحظات، وهو ما جعل الإعلام الرقمي أحد أهم أدوات التأثير في الرأي العام وصناعة المواقف.
لذلك، بات الحديث عن التوعية الإعلامية ضرورة أمنية وثقافية وتنموية. فالعالم شهد خلال السنوات الأخيرة كيف ساهمت الأخبار الكاذبة في تأجيج النزاعات، وإثارة الذعر أثناء الأزمات الصحية، والتأثير في الانتخابات، والتحريض على العنف والكراهية.
وتشير الدراسات إلى أن الأخبار المضللة تنتشر عبر المنصات الرقمية بسرعة تفوق الأخبار الصحيحة بعدة أضعاف، ليس لأنها أكثر دقة، وإنما لأنها غالباً ما تعتمد على الإثارة والعاطفة والخوف، وهي عناصر تجذب المستخدم أكثر من الحقائق المجردة. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، فالمشكلة لم تعد في نقص المعلومات، بل في فيض المعلومات «غير الموثوقة».
كما أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي أوجد تحدياً جديداً يتمثل في إنتاج صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية مزيفة، يصعب على الإنسان العادي التمييز بينها وبين الحقيقة. وأصبح من الممكن، خلال دقائق، صناعة خطاب كامل أو فيديو لشخصية عامة لم تقله أو تفعله أصلاً، وهو ما يضاعف من مخاطر التضليل الإعلامي ويجعل المواجهة أكثر تعقيداً.
ومن هنا بدأت العديد من الدول والمنظمات الدولية في إعادة النظر في مفهوم الأمن الإعلامي، فلم يعد يقتصر على حماية المؤسسات الإعلامية، وإنما امتد إلى حماية وعي الإنسان نفسه. فالهدف اليوم ليس فقط إزالة المحتوى الضار، وإنما بناء فرد في المجتمع يمتلك القدرة على التحقق والتحليل والتمييز بين الخبر المهني والإشاعة، وبين الرأي والمعلومة، وبين النقد المشروع وحملات التحريض المنظمة.
المدرسة والجامعة والأسرة والمؤسسات الإعلامية ومنصات التكنولوجيا، جميعها تتحمل مسؤولية مشتركة في هذا الشأن. فالتوعية الإعلامية لا تبدأ عند وقوع الأزمة، بل تبدأ منذ السنوات الأولى للتعليم، عندما يتعلم الطالب كيف يبحث عن المصادر الموثوقة، وكيف يتحقق من المعلومات قبل إعادة نشرها، وكيف يدرك أن المشاركة في نشر معلومة كاذبة قد تكون سبباً في الإضرار بأفراد أو مؤسسات أو حتى دول.
وفي هذا السياق، تؤكد منظمة اليونسكو أن التربية الإعلامية والمعلوماتية أصبحت من أهم المهارات الأساسية للمواطنة في القرن الحادي والعشرين، لأنها تمكن الأفراد من الوصول إلى المعلومات وتحليلها وتقييمها واستخدامها بصورة مسؤولة. كما تحذر تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي من أن المعلومات المضللة والتضليل الإعلامي باتا من بين أبرز المخاطر العالمية قصيرة المدى، لما لهما من تأثير مباشر على الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
إن العالم اليوم بحاجة إلى مشروع عالمي للتوعية بمخاطر الإعلام غير المنضبط، مشروع يوازي في أهميته حملات التوعية الصحية أو البيئية، لأن الخطر أصبح يمس العقول قبل الحدود، ويستهدف الثقة قبل المؤسسات. فالمجتمعات التي تمتلك وعياً إعلامياً راسخاً أقل عرضة للشائعات، وأكثر قدرة على حماية أمنها الفكري، وأكثر استعداداً لمواجهة الأزمات.
في النهاية، فإن المعركة الحقيقية لم تعد بين الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي، ولا بين الصحافة والمنصات الإلكترونية، وإنما بين الحقيقة والتضليل. وكلما نجحت الدول في ترسيخ ثقافة التحقق، وتعزيز أخلاقيات المهنة، وبناء إعلام مهني مسؤول، ازدادت قدرتها على حماية مجتمعاتها. فالتوعية العالمية بمخاطر الإعلام غير المنضبط ليست خياراً يمكن تأجيله، بل أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة العصر، لأن حماية الحقيقة هي الخطوة الأولى لحماية الإنسان والمجتمع.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة