التحليلات

السودان في لحظته الفارقة.. قراءة في الصورة الكبيرة

الأحد 2019.4.14 09:54 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 284قراءة
  • 0 تعليق
 اعتصام السودانيين أمام مقر القيادة العامة للجيش

الاحتجاجات في السودان

مع تسارع الأحداث في المشهد السوداني، فرضت التحولات المتسارعة نفسها بحيث نالت النصيب الأكبر من الاهتمام إذ ركزت غالبية التحليلات، ولا تزال، على الأبعاد السياسية للمشهد الداخلي السوداني كجزء من مشهد بدأ في السادس من أبريل/نيسان باعتصام المحتجين أمام مقر قيادة أركان الجيش السوداني، بلغ ذروته في الحادي عشر من الشهر نفسه بالإطاحة بالرئيس عمر البشير.

ولايزال المشهد مستمراً لحين التوافق بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير على مسار انتقالي محدد. ومع الأهمية الكبيرة لمتابعة هذه التحولات الكبرى، يبقى من المهم كذلك وضعها في سياقها الملائم وذلك لفهم مسبباتها، ولاستشراف مستقبلها في الأمدين القريب والبعيد. فما حدث في السودان يتجاوز موضوعياً البعد السياسي بما يرتبط به من أبعاد أمنية واقتصادية.

كما يتجاوز جغرافياً حدود جمهورية السودان في ظل تحولات موازية يشهدها جواره الإقليمي العربي والأفريقي، وكذلك يتجاوز اللحظة الحالية ليتصل بتقاليد سياسية ثابتة لم تتغير في السودان منذ استقلاله منذ أكثر من ستة عقود.   

الأبعاد غير السياسية

يظهر البعد الأمني كأحد أهم الأبعاد المحركة للأحداث في السودان. فمن ناحية أبدت العديد من الأطراف السودانية حرصاً كبيراً على تجنب انفلات الأوضاع والانزلاق في مسار عنيف. فمنذ بداية الموجة الاحتجاجية في ديسمبر أكدت قوى المعارضة التزامها الكامل بالنهج السلمي، وهو الأمر الذي أكدته قيادة القوات المسلحة السودانية منذ بدء المتظاهرين في الاعتصام أمام مقارها في العاصمة والمدن الرئيسية.

وجاءت محاولات بعض التشكيلات التابعة للحزب الحاكم لفض الاعتصام بالقوة وإثارة حالة من العنف الأهلي لتضع حداً لنهاية حكم البشير الذي استمر ثلاثة عقود. فقد جاء تحرك القوات المسلحة منذ صباح الخميس الحادي عشر من أبريل إثر توارد أنباء عن عقد قيادات المؤتمر الوطني اجتماعاً مساء الأربعاء العاشر من أبريل تقرر فيه تسيير مسيرات "شعبية" مؤيدة للنظام تتحرك صوب أماكن الاعتصام وتسعى للاشتباك معها وفضها بالقوة. ويأتي هذا اتساقاً مع موقف القوات المسلحة التي صدت عدداً من الهجمات على المعتصمين منذ السادس من أبريل/نيسان.

ولا يعد خطر تحول الحركة الاحتجاجية للطابع العنيف هو الخطر الأمني الوحيد في السودان، فهناك حركات التمرد المسلحة في كل من دارفور وجنوب كردفان والتي تمثل تحدياً أمنياً حقيقياً للدولة السودانية لم يقدر البشير على حسم المواجهة معه لسنوات.

وقد انعكس إدراك القوات المسلحة السودانية لأولوية هذا التهديد الأمني في البيان الأول الذي ألقاه الفريق أول عوض بن عوف وكذلك في بيان تسلم الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئاسة المجلس العسكري، إذ تكرر في البيانين دعوة الحركات المسلحة لإلقاء السلاح والحوار مع السلطة الجديدة. ففي ظل الضغوط الكبيرة التي يشهدها مركز البلاد في العاصمة الخرطوم، ومع انشغال القوات المسلحة بالترتيبات السياسية للمرحلة الانتقالية وما بعدها، تظهر فرصة سانحة للحركات الانفصالية في الغرب والجنوب لفرض أمر واقع وتمديد مناطق النفوذ عبر تصعيد العمليات العسكرية، وهو ما لم يحدث حتى الآن، لكنه يظل أحد أهم التهديدات الأساسية.

ويبقى من بين العوامل المطمئنة انفتاح عدد من الحركات المسلحة على المسار السياسي عبر المشاركة في الاحتجاجات السلمية، ذلك أن 3 من أهم الحركات السودانية المسلحة هي من أهم أعضاء قوى الحرية والتغيير عبر عضويتها في تحالف نداء السودان وهي حركة تحرير السودان (فصيل مني مناوي)، وحركة العدل والمساواة، والحركة الشعبية لتحرير السودان/قطاع الشمال.

كما يعد البعد الاقتصادي بعداً بالغ التأثير سواء في إزاحة البشير، أو في تحديد أولويات القيادة السودانية الجديدة. فمنذ إعلان البشير إجراءات تقشفية حادة في منتصف سبتمبر الماضي، أخذت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في التدهور الحاد بحيث كانت هي السبب المباشر في تفجر الموجة الأولى من الاحتجاجات في ديسمبر/كانون الأول الماضي والتي حملت اسم "ثورة الخبز"، والتي واكبت تدهوراً حاداً في مؤشرات الاقتصاد الكلي السوداني سواء فيما يتعلق بمعدل نمو الناتج المحلي، أو سعر صرف الجنيه السوداني أمام الدولار والعملات الأجنبية، أو الاحتياطي النقدي الذي شهد تراجعاً حاداً. كل هذه الضغوط الاقتصادية دفعت المجلس العسكري الانتقالي للإعلان المبكر عن حاجة البلاد لدعم دولي خصوصاً في إمدادات الدقيق والوقود.


التحولات الإقليمية

تأتي التحولات السياسية الكبرى في السودان في سياق إقليمي مضطرب ببعديه العربي والأفريقي. حيث تواكب "اللحظة السودانية الفارقة" عدداً من التحولات المهمة في اثنتين من أهم الدول العربية في الشمال الأفريقي، ففي الجزائر أسفرت موجة مماثلة من الاحتجاجات الشعبية عن تقدم الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة باستقالته بعد عشرين عاماً قضاها في رئاسة البلاد، بعد مشهد مشابه للحالة السودانية لعبت فيه المؤسسة العسكرية دوراً حاسماً في الاستجابة للمطلب الرئيسي للمحتجين بإنهاء حكم بوتفليقة.

إلا أنها آثرت -خلافاً للحالة السودانية- الالتزام الكامل بنصوص الدستور سواء في الإعلان عن شغور منصب الرئيس أو في تعيين رئيس البرلمان بديلاً مؤقتاً له، أو حتى في الإعلان المبكر عن موعد للانتخابات الرئاسية في الرابع من يوليو/تموز 2019.

أما في ليبيا فقد بدأت معركة الجيش الوطني الليبي لاستعادة العاصمة طرابلس في الرابع من أبريل، وهي المعركة التي تستهدف القضاء على المليشيات المسلحة المسيطرة على العاصمة منذ سنوات، تمهيداً لإطلاق عملية سياسية تنهي حالة الانقسام بين مؤسسات الدولة في شرق ليبيا وغربها.

وعلى جانب آخر، يشهد جوار السودان الأفريقي تفشياً لأشكال عديدة من عدم الاستقرار شرقاً وغرباً وجنوباً، تتعدد صوره بين الإرهاب المنتشر في إقليم الساحل الأفريقي وصولاً لتشاد المجاورة، أو في القرن الأفريقي، حيث تؤثر عمليات تنظيم الشباب المتمركزة في الصومال على غالبية دول الإقليم.

وفي ظل هذه الأوضاع يمكن أن يؤدي اضطراب الأوضاع الأمنية في السودان إثر الأزمة السياسية القائمة إلى تحوله بدوره لساحة لنشاط الحركات الإرهابية. كذلك لا يعد السودان بعيداً عن أشكال العنف الإثني التي خلفت أكثر من مليون نازح في إثيوبيا في عام 2018 وحده، والتي تضفي المزيد من التعقيد على العملية السياسية في جنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى، والآخذة في التصاعد في إقليم الساحل الأفريقي باتساعه. وللسودان تاريخ طويل في هذا النوع من العنف والقابل للتفجر في أكثر من موقع داخل الحدود السودانية.

وفي حال تفجر موجة جديدة من العنف الإثني في السودان ستدخل المنطقة بأسرها في دوامة من العنف الأهلي الذي سيصعب احتواؤه. هذه الدائرة الآخذة في الاتساع من الاضطرابات السياسية والأمنية تعد سبباً رئيسياً في موجات الهجرة غير النظامية والتي يمكن أن تزداد بشدة سواء من السودانيين أنفسهم أو من الدول المجاورة وذلك إذا عجزت القيادة السودانية الجديدة عن القيام بالدور ذاته الذي تلعبه السودان في السنوات الأخيرة في احتواء هذه الموجات وعدم السماح لها بالتحرك شمالاً في إطار ما عرف بعملية الخرطوم Khartoum Process.

هذه الأوضاع الإقليمية المضطربة مثّلت محدداً أساسياً للمواقف الدولية من الأحداث في السودان التي جاءت على قدر كبير من "التعقل" خاصة من جانب الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا، والتي خلقت بيئة إيجابية للوصول إلى حلول وسط بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير، في ظل المخاوف الكبيرة من سقوط السودان في دوامة الفوضى.

الخبرة التاريخية

تعد مدة بقاء الرئيس السوداني عمر البشير في منصبه هي الأطول منذ استقلال السودان عام 1956، إذ حكم البلاد لثلاثين عاماً امتدت منذ 1989 حتى 2019، الأمر الذي دفع الكثيرين للقول إن الكثير من مظاهر التغيير في بنية الحياة السياسية السودانية قد وقعت خلال فترة حكمه بما يجعل من الصعوبة بمكان الحديث عن "تقاليد" للسياسة السودانية يمكن الاستفادة منها في قراءة المشهد الحالي واستشراف ما بعده. وبالرغم من ذلك، تشير التحولات السودانية الأخيرة لعدد من مظاهر الاستمرارية.

ولعل أبرز هذه المظاهر هو الدور الحاسم للمؤسسة العسكرية على النحو الذي تكرر في أزمات سياسية سابقة في أربع مناسبات أعوام 1958 و1969 و1985 و1989، لتظل المؤسسة العسكرية السودانية لاعباً مهماً في الحياة السياسية. ونظراً لطول مدة حكم البشير بخلفيته الأيديولوجية، ساد اعتقاد بانفصال المؤسسة العسكرية عن القضايا الوطنية، وهو ما نفاه تدخلها الأخير.

وعلى جانب المعارضة، تظهر العديد من مظاهر الاستمرارية يتجسّد أبرزها في الدور الحاسم لعدد من "اللاعبين القدامى" في المشهد السياسي السوداني، على رأسهم حزب الأمة الذي يعد من أكثر أعضاء المعارضة حضوراً وفاعلية، بجانب التجمع الاتحادي المعارض، وأحزاب أخرى أقل حجماً وتأثيراً لكنها تظل من المكونات "التقليدية" للحياة السياسية السودانية كالحزب الشيوعي والحزب الناصري وحزب البعث. ويمثل مشاركة هذه الأطراف في المشهد السياسي "الجديد" في السودان أحد أهم مظاهر الاستمرارية في ظل قدرة هذه التنظيمات على البقاء على الرغم مما تعرضت له طوال العقود الثلاثة الماضية من ضغوط اضطرت بعضها للمشاركة الصورية في المشهد السياسي، ودفعت البعض الآخر للإحجام عن لعب أي دور فعال.

وفي الوقت الذي لعب فيه تحالف قوى الحرية والتغيير دوراً مهماً في تجميع شتى أطياف المشهد السياسي السوداني، إلا أن طبيعته المرنة واحتفاظ كل حزب أو فصيل ببنيته التنظيمية المستقلة مثّل بدوره أحد أهم مظاهر الاستمرارية في أداء الأحزاب السودانية، التي كان لها تجربة طويلة في الانقسام والتفكك. ويعد تماسك هذا التحالف أمام ما سيتم طرحه من قضايا سياسية كتشكيل الحكومة وغيرها من القضايا الإجرائية الانتقالية أحد أهم محددات مستقبل السودان السياسي، وما إذا كان المسار الانتقالي عرضة للانتكاس.

بقراءة المشهد السوداني في صورته الكبيرة تظهر العديد من مسببات التفاؤل بشأن إدراك الأطراف السودانية والدولية خطورة الانزلاق للعنف، في ظل التوترات الكبرى التي يشهدها محيط السودان الإقليمي، لكن في المقابل يظل من المهم الحذر من تكرار الأخطاء التاريخية وبداية دورة جديدة من الاضطراب السياسي تعيد السودان سنوات للوراء.



تعليقات