الفرنسيون يودعون الرفاهية.. ميزانية العطلة تهبط لـ1748 يورو
رغم استمرار تمسك الفرنسيين بعطلتهم الصيفية، تكشف المؤشرات الجديدة عن تغيير لافت في سلوك الإنفاق، حيث باتت الأولوية لعطلات أقل تكلفة وأكثر حذرًا تحت وطأة الضغوط المعيشية.
وأظهر استطلاع للرأي نشر اليوم الإثنين تحولا عميقا في طريقة إنفاق الفرنسيين خلال موسم الإجازات، إذ يجد كثيرون أنفسهم مضطرين لإعادة ترتيب أولوياتهم بين الرغبة في الاستجمام ومتطلبات الحياة اليومية، بما يعكس تأثير المتغيرات الاقتصادية على القرارات والسلوكيات السياحية.
تراجع ملحوظ في ميزانية العطلات
وتشير بيانات الاستطلاع السنوي الذي أجرته شركة "كوفيديس" الفرنسية، إلى أن 62% من الفرنسيين يخططون للسفر هذا الصيف، وهو تراجع طفيف مقارنة بالعام الماضي، بحسب محطة "بي.إف.إم" الفرنسية.
ويظهر الاستطلاع أن الانخفاض الأبرز في متوسط الميزانية، التي تراجعت إلى 1748 يورو، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 2022.
ووفقاً للمحطة الفرنسية فإن هذا التراجع يعكس بوضوح عودة الضغوط التضخمية وتأثيرها المباشر على القدرة الشرائية للأسر، التي باتت أكثر حذرًا في إنفاقها.
وتشير النسخة السادسة من الدراسة السنوية التي تجريها شركة "كوفيديس" حول ميزانية العطلات الصيفية للفرنسيين، إلى أن نحو ثلثي المواطنين ما زالوا يخططون للسفر، إلا أنهم في المقابل يتجهون إلى خفض متوسط إنفاقهم بشكل واضح، مع اعتماد مزيد من الخيارات الترشيدية للحفاظ على السيطرة على نفقاتهم.
وبشكل عملي، يعتزم 62% من الفرنسيين السفر هذا الصيف، أي بانخفاض طفيف بنقطة واحدة مقارنة بالعام الماضي، غير أن ميزانيتهم تشهد تراجعًا ملحوظًا، إذ انخفضت بمقدار 287 يورو لتستقر عند 1748 يورو. ويُعد هذا التراجع لافتًا، كونه يعيد مستوى الإنفاق إلى أدنى مستوياته منذ عام 2022، وهي الفترة التي شهدت ذروة التضخم ودَفعت الأسر آنذاك إلى تشديد نفقاتها.
ضغوط اقتصادية تعيد تشكيل القرار السياحي
وتتداخل عدة عوامل في تفسير هذا التحول، أبرزها ارتفاع أسعار الوقود الذي بات العامل الأكثر تأثيرًا على قرارات السفر، سواء من حيث الميزانية أو اختيار الوجهات.
ويبرز ارتفاع أسعار الوقود كالعامل الأكثر تأثيرًا في هذا التحول، حيث أكد 71% من الفرنسيين أن هذه الزيادة تؤثر بشكل مباشر على ميزانية عطلاتهم، فيما أشار 64% إلى أنها أثرت أيضًا على اختيار وجهاتهم السياحية.

ويأتي العامل الجيوسياسي في المرتبة الثانية، إذ أبدى واحد من كل اثنين من المسافرين قلقه من تداعيات الأوضاع الدولية، مسجلًا ارتفاعًا ملحوظًا مقارنة بعام 2025.
كما تلعب التوترات الجيوسياسية دورًا متزايدًا في خلق حالة من الترقب لدى المسافرين، إلى جانب عودة التضخم وارتفاع تكاليف الحياة اليومية. في ظل هذه الظروف، لم يعد السفر قرارًا تلقائيًا، بل أصبح خاضعًا لحسابات دقيقة وتنازلات متعددة.
تغير واضح في سلوك الإنفاق أثناء العطلة
لم يعد الإنفاق خلال العطلات كما كان في السابق، إذ يتجه الفرنسيون إلى تقليص المصاريف المرتبطة بالكماليات والترفيه. وتبرز مظاهر هذا التغيير في تقليل شراء التذكارات، وخفض الإنفاق على المطاعم، والبحث عن أنشطة مجانية أو منخفضة التكلفة.
كما أصبح الطهي داخل أماكن الإقامة خيارًا شائعًا بدل تناول الطعام خارجًا، في محاولة للسيطرة على النفقات دون التخلي عن متعة السفر بالكامل.
تفاوت اجتماعي في القدرة على التكيّف
تكشف الأرقام أيضًا عن تفاوت واضح بين الفئات الاجتماعية في التعامل مع هذه التحديات. فبينما تملك الفئات الأعلى دخلًا ميزانيات أكبر، إلا أنها الأكثر تقليصًا لنفقاتها مقارنة بالعام الماضي، في حين تحافظ الفئات الأقل دخلًا على مستويات إنفاق محدودة أساسًا، مع انخفاض طفيف فقط. أما من يختارون عدم السفر، فيبقى العامل المالي السبب الرئيسي، ما يعكس استمرار تأثير القدرة الشرائية في تحديد أنماط العطلات.
صعود السياحة القريبة كخيار واقعي
في ظل هذه الضغوط، يتجه عدد متزايد من الفرنسيين إلى اختيار وجهات قريبة من محل إقامتهم، في محاولة لتقليل تكاليف النقل والإقامة. ويظهر هذا التوجه بشكل خاص لدى الشباب، الذين يفضلون حلولًا أكثر مرونة وأقل تكلفة. هذا التحول يعكس إعادة تعريف لمفهوم العطلة، حيث لم يعد البعد الجغرافي معيارًا أساسيًا بقدر ما أصبحت الكلفة والسهولة عوامل حاسمة.
بين الوعي البيئي وحدود التكلفة
إلى جانب الاعتبارات الاقتصادية، يبرز توجه متزايد نحو ما يُعرف بالعطلات المسؤولة، حيث يفكر عدد كبير من الفرنسيين في تغيير سلوكهم السياحي ليكون أكثر استدامة. غير أن هذا التوجه يصطدم بعائق أساسي يتمثل في ارتفاع التكلفة، ما يجعل تحقيق التوازن بين الوعي البيئي والقدرة المالية تحديًا حقيقيًا للكثيرين.
وتعكس هذه المعطيات واقعًا جديدًا للسياحة في فرنسا، حيث لم يعد السفر مرادفًا للإنفاق المرتفع، بل أصبح تجربة محسوبة بدقة.