أمطار صيفية تضرب أشد بقاع الأرض جفافا.. ماذا يحدث في الشرق الأوسط؟
تشهد أجزاء واسعة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هذا الصيف أمطارا رعدية وسيولًا مفاجئة، في مشهد متناقض مع الصورة التقليدية للمنطقة.
وبينما توصف المنطقة بأنها من أكثر مناطق العالم جفافًا، تضرب الأمطار صحارى ومناطق اعتادت أن تمر عليها سنوات دون قطرة مطر تُذكر.

فمن الصحراء الكبرى في ليبيا والجزائر ومصر، إلى مرتفعات السعودية واليمن، وصولًا إلى أجزاء من المغرب العربي، تتكرر مشاهد السحب الركامية الداكنة والعواصف الرعدية في وقت كان يُفترض أن يكون عنوانه الأبرز هو الحرارة الشديدة والجفاف.
لكن العلماء وخبراء الطقس يرون أن ما يحدث ليس ظاهرة عشوائية، بل نتيجة تفاعل معقد بين الاحترار المتزايد للغلاف الجوي وتغير أنماط حركة الرطوبة والاضطرابات الجوية، وهو ما يدفع المنطقة نحو عصر جديد من "التقلبات المناخية الحادة".
من موجات الحر إلى السيول
وكشفت دراسة حديثة نشرت في دورية "أتموسفيريك ريسيرش" أن الشرق الأوسط أصبح أكثر عرضة تحولات خاطفة من موجات حر شديدة إلى أمطار طوفانية خلال فترة قصيرة قد لا تتجاوز 36 ساعة.
وخلال دراسة امتدت لـ25 عامًا بين 2000 و2024، تتبع الباحثون عشرات الحالات التي شهدت فيها المنطقة انتقالًا مفاتجئا من أجواء شديدة الحرارة إلى سيول جارفة. وأظهرت النتائج أن الحرارة المرتفعة لا تؤدي فقط إلى الجفاف، بل تعمل أيضا على شحن الغلاف الجوي بكميات ضخمة من بخار الماء القادم من البحار المجاورة، ليصبح الهواء أشبه بخزان ضخم للطاقة والرطوبة ينتظر الشرارة المناسبة للانفجار.
فعندما ترتفع درجات الحرارة بشدة، تزداد قدرة الهواء على الاحتفاظ بالرطوبة وفق القوانين الفيزيائية المعروفة.
ومع تدفق كتل هوائية رطبة من البحر الأحمر والبحر العربي والبحر المتوسط، يتراكم بخار الماء في طبقات الجو. وعند وصول منخفض جوي أو اضطراب علوي، تُدفع هذه الكتل الهوائية إلى أعلى بسرعة، فتبرد وتتسبب في تكثف هائل للسحب، لينهمر المطر بغزارة خلال وقت قصير جدًا.
الصحراء الكبرى تستقبل أمطارا استثنائية
تتزامن هذه النتائج مع ما ترصده الأقمار الاصطناعية حاليا فوق الصحراء الكبرى، حيث أظهرت خرائط الطقس تطور سحب رعدية قوية فوق مناطق واسعة من الجزائر وليبيا ومصر.
ويرجع خبراء الأرصاد هذه الحالة إلى التمدد الملحوظ شمالا لـ"فاصل التقارب المداري"، وهو نظام جوي موسمي يجلب الرطوبة المدارية من الجنوب نحو شمال أفريقيا خلال فصل الصيف. وعندما تلتقي هذه الرطوبة بالهواء الصحراوي شديد السخونة، تنشأ سحب ركامية ضخمة قادرة على إنتاج أمطار غزيرة وعواصف رعدية وتساقط للبرد.
ويُعد هذا المشهد استثنائيا إذا ما قورن بطبيعة الصحراء الكبرى التي تمتد على نحو 9 ملايين كيلومتر مربع وتُصنف كأكبر صحراء حارة في العالم، حيث لا تتجاوز الأمطار السنوية في أجزاء واسعة منها بضعة مليمترات فقط، فيما تمر بعض المناطق سنوات متتالية دون تسجيل أمطار تُذكر.
أمطار تمتد من الجزيرة العربية إلى المغرب العربي
ولا تقتصر الظاهرة على الصحراء الكبرى. فالتوقعات الجوية تشير إلى استمرار نشاط الأمطار الرعدية في عدة دول عربية خلال الأيام المقبلة.
ففي السعودية، تتزايد فرص تشكل السحب الركامية فوق مرتفعات جازان وعسير والباحة والطائف، مع توقع هطول زخات رعدية متفاوتة الشدة. كما تشهد المرتفعات الغربية في اليمن أمطارًا قد تصل إلى مستويات غزيرة جدا في بعض المناطق، مصحوبة بحبات البرد ورياح مثيرة للغبار.
وفي شمال أفريقيا، تستمر فرص الأمطار في أجزاء من المغرب والجزائر وتونس، بينما تتشكل سحب رعدية محلية فوق جنوب الجزائر وجنوب تونس، وتمتد التأثيرات بشكل محدود إلى بعض مناطق سوريا ولبنان.
لماذا تزداد الأمطار في المناطق الجافة؟
المفارقة التي كشفتها الدراسة المناخية أن أكثر المناطق جفافًا قد تكون الأكثر عرضة للأمطار المتطرفة بعد موجات الحر.
فبينما تستحوذ تركيا على أكثر من نصف أمطار الشرق الأوسط السنوية، فإن السعودية ومصر تسجلان نسبة مرتفعة بشكل لافت من أحداث الأمطار الطوفانية المرتبطة بموجات الحر. ويعزو العلماء ذلك إلى أن البيئات الصحراوية الساخنة تعمل كـ"إسفنجة جوية" هائلة تمتص الرطوبة القادمة من البحار المحيطة، قبل أن تطلقها فجأة عند توافر الظروف الجوية المناسبة.
والنتيجة ليست مجرد أمطار عادية، بل عواصف قصيرة العمر وعالية الشدة، تنتج قطرات مطر ضخمة وكميات هائلة من المياه خلال ساعات قليلة، وهو ما يزيد احتمالات السيول والفيضانات المفاجئة وتدفق المياه في الأودية الجافة التي لا تكون البنية التحتية مستعدة لاستقبالها.

هل يصبح هذا المشهد أكثر تكرارا؟
ويقول د.مجدي علام، الامين العام لانحاد خبراء البيئة العرب لـ"العين الإخبارية"، إن "ما نشهده اليوم قد يكون مجرد بداية. فمع استمرار الاحترار العالمي، تزداد قدرة الغلاف الجوي على الاحتفاظ ببخار الماء، ما يعني أن الأمطار المستقبلية ستكون أكثر غزارة وتركيزا في مناطق محدودة".
وبينما اعتادت دول الشرق الأوسط الاستعداد لمخاطر الحرارة والجفاف صيفا، فإن الواقع المناخي الجديد يفرض تحديا مختلفا، كما يوضح علام، وهو الاستعداد في الوقت نفسه لفيضانات مفاجئة وسيول مدمرة قد تضرب أكثر المناطق جفافًا في العالم.
ويلخص د.علام المشهد قائلا إنه: "مع التغيرات المناخة، لم تعد الصحراء تعني غياب المطر، بل أصبحت في كثير من الأحيان مسرحًا لتقلبات مناخية حادة، يتحول فيها الحر الشديد خلال ساعات إلى عواصف مائية عنيفة، في مشهد يعكس بوضوح كيف يعيد تغير المناخ رسم ملامح الطقس في الشرق الأوسط".