اقتصاد

قمة الاتحاد الأفريقي.. الموثوقية والمصداقية والتكافؤ مفاتيح التعاون

الأحد 2019.2.10 07:19 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 295قراءة
  • 0 تعليق
الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أثناء إلقاء كلمته بقمة الاتحاد الأفريقي

الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أثناء إلقاء كلمته بقمة الاتحاد الأفريقي

"إن مستقبل قارتنا يبدو واعدًا للغاية بالفعل"، هذا ما أعلنه «أكينومى إديسينا»، رئيس مجموعة البنك الإفريقي للتنمية، في خطابه إلى دبلوماسيين استضافهم البنك في مأدبة غداء، تم تنظيمها الثلاثاء، ٥ فبراير الجاري في أبيدجان. 

ومع انعقاد القمة الـ٣٢ لرؤساء الدول والحكومات أعضاء الاتحاد الأفريقي، في أديس أبابا، وبدء تولي مصر رئاسة الاتحاد، ومع الإشارة إلى أن القمة تعقد تحت شعار «عام اللاجئين والنازحين داخليًا.. نحو حلول دائمة للنزوح القسري في أفريقيا»، ومناقشة تقارير سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية وثقافية وبيئية وصحية، إلا أن الملف الاقتصادي يفرض نفسه، سواء مما سيتم عرضه من تقارير يلقيها الرؤساء مثل: «التعليم والعلم والابتكار»، و«توجيه وكالة الاتحاد للتنمية (نيباد)»، وتقرير «أجندة أفريقيا 2063»، و«مكافحة الفساد»، و«السوق الأفريقية الموحدة للنقل الجوي»، ومشروع معاهدة إنشاء الوكالة الأفريقية للأدوية، أو مما سيفرض نفسه أيضا في الكلمات الرئيسية والمداخلات، ولهذا فالأسئلة أيضا تفرض نفسها: إلى أى حد يمكن المصادقة على عبارة «إديسينا»؟ وما الذي يمكن أن تخرج به القمة على الصعيد الاقتصادي؟ وما أهم التحديات والفرص أمام القارة السمراء في السنين المقبلة؟ وإلى أي حد تتأثر بصراع القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة والصين؟ 

 وأخيرا ما دور القوى العربية الكبيرة سواء الأفريقية الموضع، مثل مصر أو الآسيوية مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية في التعاون وتقديم مساندة اقتصادية من منظور مختلف لأفريقيا؟

  أفريقيا لا تعمل ولا تعيش في فراغ، لذا من المهم الإنصات إلى ديفيد ليبتون، النائب الأول لمدير صندوق النقد الدولي، حين يقول: يواجه الاقتصاد العالمي تحديات معقدة بسبب التغير التكنولوجي والعولمة، والآثار الباقية منذ الأزمة المالية في 2008، وتراجع مستويات الثقة في المؤسسات الأساسية التي ساعدت على تحقيق نمو هائل طوال 40 عامًا.  

والتطورات التي تهدد بتفتيت النظام الدولي، ومنها احتدام التوترات التجارية، والشقاق داخل المؤسسات، متعددة الأطراف، وفيما بينها، وضعف الجهود المبذولة لمعالجة التحديات العابرة للحدود، مثل تغير المناخ، والجريمة الإلكترونية، وتدفقات اللاجئين، ويلفت إلى أنه إذا كانت هذه الأمور تحدث في وقت يتسم بالنمو العالمي القوي والاستقرار المالي النسبي، فما الذي يمكن أن يحدث نتيجة للتباطؤ الاقتصادي المقبل الذي يراه حتميا؟ ونضيف: إن العبء على الدول النامية سيكون أفدح.  

وفي اقتراب أكثر يشير تقرير آفاق النمو العالمي، الصادر عن الصندوق في يناير 2019، إلى أنه في أفريقيا جنوب الصحراء، من المتوقع أن يتحسن النمو من 2.9% في 2018 إلى 3.5% في 2019، ويقل النمو المتوقع في العامين بمقدار 0.3 نقطة مئوية عن المتوقع في أكتوبر الماضي، نظرًا لتخفيض التوقعات لكل من أنجولا ونيجيريا إثر تراجع أسعار النفط.

وذكر آخر تقرير للبنك الدولي عن الفقر أن أكثر من نصف الفقراء فقرًا مدقعًا يعيش في أفريقيا جنوب الصحراء، ويعيش 413 مليون شخص على أقل من 1.9 دولار يوميًا عام 2015، أي أكثر من جميع المناطق الأخرى مجتمعة، وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن كل تسعة من بين كل 10 فقراء فقرًا مدقعًا سيعيشون في أفريقيا، جنوب الصحراء، بحلول عام 2030.  

وهناك مشكلات في الاقتصاد الكلي، أبرزها استمرار بطء تنفيذ إجراءات الضبط المالي، وحسب تقرير صندوق النقد عن المخاطر التي تهدد النمو، فقد تم تصنيف 15 بلدًا منخفض الدخل في أفريقيا جنوب الصحراء في عام 2017 ضمن البلدان المعرضة لخطر كبير يهدد بدخولها مرحلة المديونية الحرجة (بوروندى، والكاميرون، وكابو فيردى، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وإثيوبيا، وغامبيا، وغانا، وساو تومى وبرينسيبى، وزامبيا) أو دخلت فعلا مرحلة المديونية الحرجة (تشاد، وجمهورية الكونغو، وإريتريا، وموزمبيق، وجنوب السودان، وزيمبابوي). 

هناك أيضا عوائق هيكلية أمام تطور القارة من أهمها- كما يقول البروفيسور مشتاق خان، جامعة لندن معهد الدراسات الأفريقية والشرقية - الاندماج السياسي، وصعوبة تطوير المؤسسات التحويلية، وكيفية بناء أنسب المؤسسات السياسية والاقتصادية التي تستطيع تعظيم النجاح التنموي.

تلك أبرز الأوجاع والمشكلات، والكل يعرف الإمكانيات والموارد البشرية والطبيعة التي تزخر بها أفريقيا، فماذا عن واقع الاقتصاد الأفريقي؟ يقول تقرير توقعات الاقتصاد الأفريقي 2019، الصادر عن بنك التنمية الأفريقي، أن الأداء الاقتصادي العام للقارة مستمر في التحسن، وبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي نحو 3.5% في 2018، وهو مستوى عام 2017 نفسه ومرتفعًا من 2.1% عام 2016.

ويرى التقرير أنه حتى هذا النمو ليس بالسرعة الكافية لمعالجة العجز المالي والحساب الجاري المستمر والديون غير المستدامة.

ويبين بحث جديد أن خمسة إجراءات لسياسة التجارة يمكن أن تحقق مكاسب إجمالية في أفريقيا بنسبة 4.5% من ناتجها المحلي الإجمالي، أو 134 مليار دولار في السنة، الأول: القضاء على جميع التعريفات الثنائية الحالية المطبقة في أفريقيا، والحفاظ على قواعد المنشأ بسيطة ومرنة وشفافة، وإزالة جميع الحواجز غير الجمركية على السلع والخدمات التجارية على أساس الأكثر تفضيلًا، وتنفيذ اتفاق تيسير التجارة لمنظمة التجارة العالمية لتقليل الوقت الذي يستغرقه لعبور الحدود وتكاليف المعاملات المرتبطة بتدابير غير التعريفات، وأخيرًا: التفاوض مع الدول النامية الأخرى لتخفيض نصف تعريفاتها الجمركية والحواجز غير الجمركية على أساس البلد الأكثر تفضيلًا. 

في تفاصيل الفرص الكبرى فإن من بين الصفقات الكاشفة لطبيعة الاحتياجات الافريقية التى ضمنت اهتمام مستثمري القطاع الخاص في منتدى الاستثمار الأفريقي بجنوب أفريقيا (نوفمبر 2018) مشروعًا لتنمية وتطوير السكك الحديدية بتكلفة 3.7 مليار دولار في جنوب أفريقيا، مشروع أسمدة النحاس والبتروكيماويات، باستثمارات بقيمة 3 مليارات دولار لبناء وتشغيل مرفق بتروكيماوي عالمي المستوى لإنتاج الميثانول (1.75 مليون طن سنويًا)، الأمونيا (1.35 مليون طن سنويًا) واليوريا (1.35 مليون طن سنويًا).

وفي قطاع الطاقة، يجرى إنهاء الاتفاق على بناء المرحلة الثانية من محطة توليد الطاقة بقدرة 450 ميجاوات في تونس بقيمة 440 مليون دولار، وتم التوصل إلى اتفاقات بشأن عدد من خطط العمل الرامية إلى تسريع الإصلاحات التنظيمية، وإلغاء الاختناقات التي ستساعد في تسهيل الاستثمارات بقطاع تبلغ استثماراته المحتملة 70 مليار دولار.

صراع سداسي على السيطرة

ولأن مصر تدرك ربما أكثر من غيرها مخاطر التدخل الخارجي أو توجيه السياسات إكراهيا لغير صالح الأغلبية الأفريقية، فقد نبهت في موسوعة، سيتم توزيعها على الرؤساء خلال القمة، إلى كيفية الوصول إلى طريق متوازن بين الانفتاح على العالم وصيانة الاستقلال الاقتصادي والحضاري للقارة، ولا يغيب عن أحد أن أفريقيا تتصدر حاليا كونها أهم ملعب للصراع بين القوى الكبرى، فرنسا وإيطاليا وبريطانيا وكندا وإسرائيل، وتركيا كذلك في مسعاها لإحياء الخلافة العثمانية، ومحاولات ملالي إيران دخول القارة بقناع سياسي ديني مراوغ وملتوٍ، وكيف أعلنت أمريكا، في ديسمبر الماضي، وعلى لسان مستشار الأمن القومي جون بولتون، استراتيجية جديدة تجاه أفريقيا.

تحرك عربي دقيق

عربيا، فإن مصر عززت عنايتها بأفريقيا على نحو شامل وغير مسبوق حتى عن الفترة الناصرية (مع الفوارق)، وقامت بتنويع المبادرات الخاصة، بالتعاون مع القارة لتشمل مع الاقتصاد، الثقافة والرياضة والبيئة، ليس فحسب لتعويض تواجد تاريخي كاد يضيع، ولكن من قناعة بأن الشراكة مع أفريقيا قضية مصير وشرط وجود.

وتبلغ تجارة مصر مع أفريقيا نحو 6.5 مليار دولار سنويا، بينما تصل الاستثمارات المصرية في أفريقيا إلى نحو 10 مليارت دولار.

وتدعم مصر بقوة الرؤية المستقبلبة للقارة الأفريقية «أجندة 2063»، التي تمثل إطارًا استراتيجيًا للتحول الاجتماعي - الاقتصادي بالقارة، خلال 50 عامًا، وتؤمن أن الهدف الرئيسي لها هو «أفريقيا متكاملة ومزدهرة تنعم بالسلام، وأفريقيا يقودها ويديرها مواطنوها، وتمثل قوة ديناميكية على الساحة الدولية».

وأعلن اتحاد الغرف التجارية المصري، في خطته للعمل مع أفريقيا، أنه يركز على تفعيل التعاون الثلاثي بتكوين تحالفات تجمع الشركات المصرية مع مستثمرين من دول الخليج ومورّدي تكنولوجيا من الدول المتقدمة للعمل بالقارة.

أما الإمارات العربية المتحدة، التي أصبحت، شريكًا مقدرًا في القرن الأفريقي، لتتصدر الحضور العربي في هذه المنطقة الاستراتيجية المهمة، بفضل سياستها الخارجية الواضحة، ومصداقيتها القائمة على الاعتدال والاستقرار ومكافحة الإرهاب وتحفيز التنمية والازدهار المشترك، ووصل حجم التبادل التجاري غير النفطي بين الطرفين إلى 140.5 مليار درهم، أي ما يعادل 38.3 مليار دولار.

والإمارات هي ثاني أكبر مستثمر في القارة السمراء من منطقة الشرق الأوسط، حيث تقدر استثماراتها بنحو 11 مليار دولار، وضخت موانئ دبي العالمية استثمارات ضخمة في منطقة القرن الأفريقي، ووصلت الاستثمارات الإمارتية إلى جنوب أفريقيا 10 مليارات دولار في هذا البلد، حسب الخطط الاستثمارية الموضوعة لذلك. 

أيضا فإن السعودية، وحسب صحيفة «الشرق الأوسط» تنظر إلى أهمية التعاون الاقتصادي مع أفريقيا، فضلًا عن المجال السياسي، كونها مستودعًا للثروات الخصبة في مختلف المجالات، بما في ذلك الإنتاج الزراعي والتعديني والصناعي، فضلا عن الحركة التجارية والشراكات الاستثمارية ذات القيمة المضافة.

 ويأتي هذا الانفتاح الاقتصادي السعودي على القارة السمراء، انطلاقا من قناعة بأهمية العمل المشترك، وإفلاتها من «المخلب الإيراني».

 وتدخل السعودية من منظور جديد هذه المرة، هدفه المشاركة في التحديث الأمين والمستدام والبناء الاقتصادي وتقاسم المنافع بعدالة، بعيدا عن أي أيديولوجيات دينية أو غير دينية، معروف أن الإمارات والسعودية في مقدمة أكبر الداعمين بالمنح والمساعدات الإنسانية للقارة.

 إن الدرس الأهم للجميع في ضوء ما سبق هو أن الموثوقية والمصداقية والندية والشفافية والحرص على الاستدامة هي مفاتيح التعاون مع أفريقيا الجديدة التي تعي دورها وذاتها أكثر فأكثر كل يوم، وهذا ما ستشدد عليه القمة باعتقادي.


تعليقات