من غرف العمليات إلى عيادات النفسية.. «مخدر» ينقذ الملايين من الانتحار
يمثل الاكتئاب الجسيم تحدياً طبياً كبيراً، خاصة عندما تتوقف العلاجات التقليدية عن تقديم أي استجابة.
ومع ذلك، حملت دراستان حديثتان نُشرتا في دورية "جاما سيكتري" المرموقة بصيص أمل جديد للمرضى، بعد أن كشف باحثون عن فعالية واعدة لاستخدام عقار "الكيتامين" ومزيج من مضادات الاكتئاب مع مضادات الذهان.

ثُلث المرضى في "دائرة المقاومة"
يُعرف "الاكتئاب المقاوم للعلاج" بأنه الحالة التي لا يستجيب فيها المريض لدورتين علاجيتين على الأقل من مضادات الاكتئاب التقليدية. ويشير الدكتور جريج ري، أخصائي الوبائيات النفسية في كلية الطب بجامعة كونيتيكت، إلى أن "ما لا يقل عن ثلث البالغين المصابين بالاكتئاب يقعون ضمن هذه الفئة"، مؤكداً على ضرورة البحث عن بدائل علاجية خارج الصندوق لهذه الحالات المعقدة.
وتشمل أعراض الاكتئاب الجسيم التي تستدعي تدخلاً عاجلاً انخفاض مستمر في الحالة المزاجية وفقدان الشغف، نقص الطاقة والشعور الدائم بعدم القيمة، اضطرابات التركيز والشهية، والأفكار الانتحارية.
الكيتامين.. من التخدير الجراحي إلى إنقاذ الحياة
قاد الباحثون من جامعات "كونيتيكت"، "هارفارد"، "ييل"، و"تورنتو" دراسة تحليلية شملت 26 تجربة سريرية لتقييم الكيتامين الوريدي. ويُعد الكيتامين في الأصل مخدراً جراحياً سريع المفعول، لكن النتائج أظهرت قدرات استثنائية له في الفعالية السريعة، حيث تفوق على الأدوية الوهمية في تقليل أعراض الاكتئاب خلال أيام قليلة.
كما كان له دور في كبح الدوافع الانتحارية، حيث أظهر العقار بجانب نسخة بخاخ الأنف "إسكتامين" المعتمدة من هيئة الغذاء والدواء الأمريكية فعالية كبرى في الحد السريع من الميول الانتحارية لدى المرضى الذين يواجهون خطراً فورياً.
ورغم هذه النتائج المبهرة قصيرة المدى، لاحظ الباحثون أن تأثير الكيتامين يبدأ في التراجع تدريجياً بعد بضعة أسابيع، مما يجعله خياراً مثالياً للتدخل الطارئ والسريع.

مزيج الأدوية.. توازن دقيق بين الفعالية والآثار الجانبية
وفي الدراسة الثانية، ركز الفريق على تحليل 22 دراسة تناولت دمج مضادات الاكتئاب مع مضادات الذهان. وجد الباحثون أن هذا "المزيج" ساعد بشكل ملحوظ في تخفيف الأعراض لدى مرضى الاكتئاب المقاوم.
ومع ذلك، برز عقار "لوماتيبيرون" كأكثر مضادات الذهان فعالية في تحسين الحالة، لكنه كان أيضاً الأكثر عرضة للتوقف من قبل المرضى بسبب آثاره الجانبية، مما يضع الأطباء أمام معادلة دقيقة لموازنة الفوائد مقابل الأضرار الجانبية.
خارطة طريق مستقبلية للأطباء
يرى الدكتور "ري" أن هذه الدراسات تمثل دليلاً إرشادياً للأطباء النفسيين للنظر في طرق علاجية غير تقليدية للحالات المتوسطة إلى الشديدة.
وأضاف: "نخطط لإجراء دراسات وبائية على مستوى السكان لفحص سجلات السلامة والفعالية لهذه الخيارات العلاجية بشكل أعمق".
وتفتح هذه النتائج الباب أمام تغيير بروتوكولات العلاج النفسي عالمياً، مما يعيد الأمل للملايين الذين عانوا لسنوات من صمت الأدوية التقليدية أمام آلامهم.