التمويل المستدام.. شريان الصفر الصافي
تقف قضية التمويل المناخي على رأس القضايا محل الجدل خلال محادثات المناخ، والتي تأمل بلوغ مرحلة طموحة.
ويبقى السؤال الأهم الذي يفرض نفسه كل مرة «من الذي يدفع الثمن؟».
من هنا أشارت أصابع الاتهام نحو الدول المتقدمة والدول الصناعية الكبرى التي تسببت نهضتها الصناعية في انبعاثات كميات هائلة من الغازات الدفيئة، ما قاد في النهاية إلى تسارع التغير المناخي وتفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري. وتبعهما العديد من الآثار السلبية التي أثرت على مختلف المجتمعات حول العالم، وظهرت الحاجة إلى دعم استراتيجيات التكيف والتخفيف وبناء المرونة المناخية، وكل هذا يحتاج إلى تمويل مستدام.
محادثات النصف قرن
يأخذنا هشام عيسى، المنسق المصري السابق لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC) إلى بدايات التمويل المناخي، قائلًا لـ"العين الإخبارية": "دارت المحادثات منذ عام 1972 في مؤتمر ستوكهولم بالسويد حول آليات التمويل المناسبة لمواجهة التلوث البيئي، فيما يُعرف بالتمويل البيئي، في تلك الأثناء، لم تكن هناك محادثات مخصصة لتغير المناخ مثل اليوم، وكانت معظم التمويلات تأتي عبر إنشاء مؤسسات حكومية مثل وزارات البيئة التي كانت تفرض غرامات وتعويضات على الملوثين، وتُستخدم فيما بعد لإنشاء مشاريع تعالج التلوث البيئي".
ويستطرد عيسى، قائلًا: "عندما ظهر التمويل المناخي في قمة الأرض في ريو دي جانيرو بالبرازيل عام 1992، دارت أحاديث حول الآليات المتعلقة بالحد من الآثار السلبية للتغيرات المناخية والتزامات أو وجبات الدول المتقدمة؛ للمساهمة في تمويل الدول النامية للتوافق مع موضوعات تغير المناخ سواء في استراتيجيات التخفيف أو التكيف، لكن لم تكن هناك صورة واضحة لتلك الآليات حتى خرج بروتوكول كيوتو للنور، وظهرت معه آلية التنمية النظيفة، التي تستطيع الدول المتقدمة من خلالها إنشاء مشاريع في الدول النامية لاستخراج شهادات الكربون، والتي تُخصص منها نسبة من أجل التمويل المناخي المستدام". ويُضيف: "وأخيرًا في اتفاق باريس المادة 9، التي تُوجب الدول المتقدمة بتوفير التمويل المناخي للدول النامية، لكنها تظل مجرد نوايا، بدون آليات واضحة".
إشكالية تعريف التمويل المستدام
وعلى الرغم من تنصل الدول المتقدمة وضعف الآليات التنفيذية لدعم التمويل المستدام، إلا أنّ هناك العديد من أدوات التمويل المستدام التي تُعرض من حين إلى آخر، وهي تربط بين العائد الاقتصادي والأثر البيئي والاجتماعي، لكن، هناك حاجة ماسة إلى تطويرها وإدارتها جيدًا، وتعزيز التعاون بين أصحاب المصلحة بما فيهم البنوك والشركات والمستثمرين والبنوك المركزية، ووضع أُطر تنظيمية محكمة لتجنب تسرب أي شكل من أشكال الغُسل الأخضر إلى آليات التمويل المستدامة.
وبحسب تعريف البنك المركزي المصري للتمويل المستدام؛ فهو يشمل تمويل المشاريع التي تُحقق قيمة بيئية، مثل الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، كذلك المشاريع ذات الأثر الاجتماعي الإيجابي، إضافة إلى المشاريع التي توفر فرص عمل، ويدعم إنشاء أنظمة للرصد والمتابعة والتقييم.
نحو صافي الصفر
هناك العديد من الأشكال التي يمكن من خلالها تحويل التمويل المستدام نحو صافي الصفر، من ضمنها:
1- إعادة توجيه تدفقات رأس المال
أحد الأدوار الرئيسية للتمويل المناخي المستدام هو تحويل الاستثمارات نحو الحلول المناخية الفعالة وتقليل الاستثمار وتمويل القطاعات عالية الانبعاثات، ودعم تدفق المزيد من رأس المال إلى التقنيات منخفضة الكربون.
2- تمويل الأسواق الناشئة
يساعد التمويل المستدام في توسيع نطاق الأسواق الناشئة المعنية بنشر مصادر الطاقة المتجددة والحلول المناخية الفعالة، ودعمها للصمود، ما يساهم في دعم استراتيجيات التخفيف وخفض انبعاثات الكربون.
3- خلق فرص عمل
تُوفر أسواق العمل المستدامة فرص عمل مستدامة لشريحة واسعة من الشباب، ما يُقلل البطالة، ويدع فرصة لدعم تعلّم مهارات مستدامة داخل المجتمعات المختلفة.
معرقلات
ولا يخلو الأمر من المعرقلات، ويُوضحها هشام عيسى؛ قائلًا: "منذ عام 2016، وُضعت قضية التمويل في يد القطاع الخاص، كالمؤسسات التمويلية والبنوك كالبنك الدولي، وهكذا، وعلى الرغم من أنها غير مملوكة للحكومات، إلا أنها تُدار بشكل خاص مستقل، وتلك البنوك التمويلية هي التي وضعت الآليات التمويلية للعمل المناخي؛ وترتب على ذلك أنه صارت هناك فجوة بين ما يُثار ومسؤوليات الدول عن التمويل المناخي وما يتم تنفيذه على أرض الواقع".
وعلى الرغم من أنّ الحكومات المختلفة مثل فرنسا أو ألمانيا أو المملكة المتحدة وغيرهم يُخصصون مبالغ واضحة من ميزانيتهم من أجل التمويل المناخي، إلا أنه يصعب الوصول إلى تلك الأموال، ويُوضح عيسى تلك المعضلة التمويلية في حواره مع "العين الإخبارية"؛ قائلًا: "إنّ المبالغ التي تُخصصها الدول للتمويل المناخي عادةً تموّل الجهات التمويلية الأخرى، مثل الأمم المتحدة أو برنامج الأمم المتحدة للبيئة، والذي يتولى المبادرات التمويلية، بالتالي فالدول غير ملزمة بمسار التمويل بعد ذلك، تكتفي فقط بوضع التمويل الذي خصصته من ميزانياتها".
ويُضيف عيسى: "كما أنّ بعض الدول عندما تُوجه التمويل المناخي، تأتي به من أذرع التنمية الخاصة به؛ أي ليس تمويلًا من ميزانيتها، بالتالي بدأت المؤسسات التمويلية والبنوك الدولية في وضع شروط خاصة، وهذا يعني أنه إذا أردت دولة ما الحصول على تمويل مناخي؛ فهذا يتم بشروط معينة، ما دفع البنوك تُلزم عملائها بتلك الشروط".
وهذا يعني أنّ التمويل المناخ متاح، لكنه من خلال شروط لم يتم الإشارة إليها في مفردات التغير المناخي، ومن هذا المنطلق، تبرز الفجوة بين التفاوض والتنفيذ الفعلي، بعبارة أخرى، نعم هناك تمويل، لكن بشروط معينة، وتلك الشروط تحتاج إلى سنوات حتى تستطيع الدول النامية أن تواكب هذا المستوى من الشروط من خلال تغيير في قوانينها ومؤسساتها وما إلى ذلك.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNDMg جزيرة ام اند امز