سياسة

خيام اللاجئين السوريين من ورق

الإثنين 2019.1.14 03:46 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 422قراءة
  • 0 تعليق
حسين الشيخ

لم تتوقف معاناة السوريين عند حدود الحرب والدمار، فمنذ اندلاع الحرب في سوريا وتحولها إلى حرب شعواء لا تبقي ولا تذر في أواخر عام 2011م، وتحول مسار الأوضاع إلى حرب شاملة دفعت السوريين إلى النزوح واللجوء تاركين كل شيءٍ خلفهم باحثين عن أمان الأرواح بعد أن تركتهم الحرب وضراوتها بلا شيءٍ سوى قلوب نابضة في صدور من نجا منهم فهاموا في فيافي الأرض، باحثين عن ملجأ يقيهم سيوف الموت.

تعددت أشكال النزوح والموت واحد

وفي ظل هذا الواقع المزري والمعاناة المأساوية، انقسم السوريون في نزوحهم ولجوئهم؛ فمنهم من اختار عبور الحدود وركوب البحر، متحديا القوانين والحدود الدولية للجوء في الدول الأوروبية.

ومن لم يجد منهم تكاليف الهجرة واحترم القوانين الدولية مؤمّلاً انتهاء الوضع سريعاً والعودة إلى دياره، لجأ إلى ما أُعد له من خيام على حدود الدول المجاورة كما في مخيم الزعتري في الأردن، ومخيمات اللاجئين السوريين في لبنان أو في مناطق حدودية على الأرض السورية كمخيمات اللاجئين في إدلب السورية على الحدود التركية.

يصح في هؤلاء المبعثرين خارج أوطانهم عنوة عبارة أن الحرب من ورائهم والموت برداً من أمامهم، وعلى الرغم من انخفاض مستوى العنف في سوريا وتحقيق نسب من الأمان إلا أن المشكلة تكمن اليوم في اللا شيء، فلا شيء بقي لهؤلاء ليعودوا من أجله

من الناحية النظرية تتحمل حكومات الدول التي تقع على أراضيها مخيمات اللاجئين المسؤولية القانونية والإنسانية تجاه هؤلاء الهاربين من الموت، وذلك بالتشارك مع المجتمع الدولي متمثلاً بمنظمة الأمم المتحدة ومؤسساتها المسؤولة عن قطاع الإغاثة والمساعدات الإنسانية، إلا أنّ الواقع لا يجعل مجالاً للشك بأن التقصير من الحكومات والمجتمع الدولي زاد المأساة مأساة على اللاجئين.

معظم إن لم يكن جميع هؤلاء اللاجئين من الطبقة الاجتماعية الفقيرة التي قوضت الحرب في سوريا كل ما امتلكوه طيلة حياتهم لتتركهم في مخيمات أشبه ما تكون بالمعتقلات، إذ لا يمكنهم العودة إلى ديارهم لأنها قد دمرت بالكامل، كما لا يسمح لهم بالخروج من المخيمات للعمل والانخراط في الحياة الاجتماعية والاقتصادية في بلاد اللجوء لكسب ما يدرؤون به عن أنفسهم شيئاً من واقعهم المفروض مع بعض الاستثناءات هنا وهناك، ففي لبنان أكثر من مليون لاجئ متوزعين على عدة مخيمات، وفي مخيم الزعتري في الأردن آلاف منهم، والآلاف في المخيمات على الحدود التركية لا يجدون إلا خياماً رقيقة هشة أوهن من بيت العنكبوت لا تقيهم حر الصيف ولا برد الشتاء.

بعد الحرب.. الشتاء العدو الأكثر شراسة

الشتاء هو العدو الأقسى على اللاجئين، فمن السيول الجارفة التي تجرف خيامهم إلى الثلوج التي هدمت الخيام لتتركهم متجمدين، فقد لقي عشرات الأطفال حتفهم متجمدين من البرد في ظل تقاعس المجتمع الدولي المتمثل بالمنظمات الدولية التي تشكو قلة التمويل لإعانة هؤلاء اللاجئين وتقاعس حكومات الدول التي تقع عليها المسؤولية الأمنية والقانونية لإدارة المخيمات عن تقديم شيء لهم حتى وصفت مديرة منظمة "أرض العون القانوني" في الأردن "سمر محارب" قضية اللاجئين بأنّها تشكل أزمة كرامة إنسانية نتيجة عجز العالم عن إيجاد حلول ناجعة لها.

في حقيقة الأمر، إن مشكلة هؤلاء اللاجئين على الرغم من أنها مأساة إنسانية ووصمة عار على جبين الإنسانية إلا أنّ من أسبابها الرئيسة هي أسباب اقتصادية وسياسية ومصالح حكومات، ففي كل عام تعقد المؤتمرات واللقاءات في الفنادق الفارهة لمناقشة وضع قاطني الخيام من اللاجئين، وفي كل مرة تتركز النقاشات حول عجز الحكومات لدول المخيمات عن تغطية احتياجاتهم وعجز الموازنات للمنظمات الدولية المعتمدة في تمويل نشاطاتها على المنح التي تقدمها الدول لهذه المنظمات لرعاية شؤون اللاجئين وتبادل الاتهامات بين الحكومات والمنظمات الدولية في وضع يد الحكومات على المساعدات التي يجب أن تصل للاجئين فصارت القضية قضية كسبٍ، وإضافة إلى موارد الحكومات الاقتصادية بدل أن تكون ذات طابع إنساني تشرف تلك الحكومات على إيصالها لمستحقيها، الأمر الذي دفع بكثير من الجهات الدولية ومنظمات المجتمع المدني إلى التوقف عن تقديم المنح أو تخفيضها بحكم أنّها لا تصل إلى من منحت لأجلهم، وإن وصلت فلا يصل منها إلا القليل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. 

مأساة الشتاء وبرده القارس ليست الفصل الوحيد في معانة اللاجئين؛ إذ تتعدد جوانب هذه المعاناة، فالفقر الشديد وقلة المساعدات دفعت أبناء وأطفال المخيمات إلى ترك المدارس والتوجه للعمل لإعانة عائلاتهم ودفعت الأهالي إلى تزويج القاصرات من الفتيات وارتفاع معدلات الجريمة والأمية، وكل ذلك بدوافع إيجاد حلول لمشكلاتهم الاجتماعية.

يصح في هؤلاء المبعثرين خارج أوطانهم عنوة عبارة أن الحرب من ورائهم والموت برداً من أمامهم، وعلى الرغم من انخفاض مستوى العنف في سوريا وتحقيق نسب من الأمان إلا أن المشكلة تكمن اليوم في اللاشيء، فلا شيء بقي لهؤلاء ليعودوا من أجله.. بيوتهم مدمرة وأملاكهم منهوبة وديارهم موزعة بين فصائل عدة تتجاذبها سياسات عدة لا يسودها استقرار حقيقي، مما يدفعهم لقبول ظرف اللجوء مرغمين لتستمر معاناتهم ومأساتهم فصلاً بعد فصل.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات