نظام الطيبات تحت المجهر.. كيف أصبحت السجائر مسموحة والفاكهة مسمومة؟
في وقت يبحث فيه الملايين عن "وصفة سحرية" للشفاء من أمراض العصر، برزت فلسفة غذائية تضرب بجذورها في تقسيم حاد للأطعمة بين "طيب" و"خبيث.
وتدعي هذه الفلسفة القدرة على مداواة المستعصي من الأمراض عبر قوائم صارمة من الممنوعات.
هذا النظام، الذي بات يُعرف بنظام "الطيبات"، لم يكتفِ بتقديم نصائح تغذوية تقليدية، بل أعاد صياغة المفاهيم البيولوجية خارج الأطر الأكاديمية المتعارف عليها، مما أثار عاصفة من الجدل بين مؤيدين يرون فيه طوق نجاة، وبين أوساط علمية تحذر من مخاطر الانجراف وراء فرضيات لم تمر عبر مصفاة البحث العلمي الرصين.

ثنائية "الطيب والخبيث" وتحدي الحقائق البيولوجية
تقوم فلسفة هذا النظام على استئصال أطعمة تُصنف كركائز في الهرم الغذائي العالمي، مثل الدواجن واللبن السائل والبقوليات، بدعوى أنها تحفز "الالتهابات الصامتة".
ويقول د.ياسين حامد، استشاري التغذية بوزارة الصحة المصرية إن " هذا الطرح يصطدم بشكل مباشر مع الدراسات الصادرة عن منظمات صحية دولية، مثل منظمة الصحة العالمية، التي تعتبر البقوليات مصدراً أساسياً للألياف والبروتين النباتي الضروري لصحة القلب والجهاز الهضمي".
وبينما يزعم النظام أن الدجاج الأبيض "كتلة من الهرمونات"، فإن د.حامد يشير إلى أن الرقابة البيطرية والتشريعات الدوائية الحديثة تفرض معايير صارمة على فترات السحب الدوائي، مما يجعل تعميم وصفها بـ "السموم" افتراضاً يفتقر إلى المسوح المخبرية الشاملة التي تثبت وجود هذه المتبقيات بنسب تسبب دماراً هرمونياً شاملاً كما يُروج.

مغالطة المقارنة بين التبغ والزيوت النباتية
لعل أكثر جوانب هذا النظام إثارة للقلق هو وضع الزيوت النباتية في كفة واحدة مع التدخين، بل واعتبار الأخير أخف ضرراً.
ويقول د.حامد إن " هذه المقارنة تتجاهل عقوداً من الأبحاث في علم الأورام وأمراض القلب، حيث تؤكد الجمعية الأمريكية للقلب أن الزيوت النباتية غير المشبعة تظل خياراً أفضل للصحة الوريدية مقارنة بالدهون المشبعة إذا استُخدمت باعتدال".
ويضيف أن " القول بأن الرئة تملك ميكانيكية تنظيف تجعل التدخين أقل خطورة هو تبسيط مخل لعملية التراكم السرطاني والتليف الرئوي، كما أن استبدال الزيوت النباتية كلياً بالسمن الحيواني والزبدة "كوقود وحيد" للقلب يتناقض مع الدراسات التي تربط بين الإفراط في الدهون المشبعة وارتفاع الكوليسترول منخفض الكثافة ، مما يزيد من مخاطر تصلب الشرايين لدى الفئات المعرضة وراثياً".

أسطورة تخمر الفاكهة وحقيقة الهضم البشري
ويمتد تقييم هذا النظام ليشمل القواعد الصارمة المتعلقة بتوقيت تناول الفاكهة، حيث يزعم النظام أنها تتحول إلى كحوليات وتدمر الكبد إذا تناولت بعد الوجبات.
ويقول د.حامد إنه "علمياً، تمنع حموضة المعدة العالية حدوث تخمر بكتيري سريع يؤدي لإنتاج الكحول بمستويات ضارة فور تناول الطعام".
وتؤكد الأبحاث المنشورة في الدوريات المتخصصة في علم الجهاز الهضمي أن الجسم البشري يمتلك إنزيمات قادرة على التعامل مع مزيج العناصر الغذائية بفعالية، وأن "دهون الكبد" تنتج أساساً عن فائض السعرات الحرارية والفركتوز المركز المصنع، وليس عن تناول ثمرة فاكهة بعد الغداء، مما يجعل هذا المنع قيداً غير مبرر علمياً يرمي بظلال من التعقيد على نمط حياة الفرد، كما يشير د.حامد.
النتائج السريرية الفردية مقابل المنهج العلمي
يرتكز مروج النظام على "النتائج الميدانية" وحالات الشفاء الفردية كبديل للأبحاث المنشورة، وهو ما يُعرف في الطب بـ "الدليل القائم على الحكايات.
وهذا المنهج، رغم جاذبيته النفسية للمرضى، يفتقر إلى "الدراسات مزدوجة التعمية" التي تضمن عدم تأثر النتائج بعوامل خارجية أو بتأثير "البلاتسيبو" (الإيهام النفسي).
ويقول د.حامد إن " القول بتفوق التجربة الميدانية على النظريات الأكاديمية هو مغامرة بالصحة العامة، لأن البحث العلمي يضمن رصد الآثار الجانبية بعيدة المدى، بينما تظل النتائج السريعة للامتناع عن السكريات والمخبوزات (وهي نقاط إيجابية في النظام) هي السبب الحقيقي وراء تحسن بعض الحالات، وليس بالضرورة صحة الافتراضات الغريبة المتعلقة بالنيكوتين أو منع البقوليات واللبن".

مخاطر العزلة الغذائية والترويج غير المباشر للتبغ
ويبرز خطر حقيقي في الحديث عن "الجانب المظلوم للنيكوتين"، فبالرغم من وجود أبحاث مخبرية تدرس النيكوتين كمركب كيميائي معزول لأغراض عصبية، إلا أن طرح ذلك في سياق نظام غذائي عام قد يُفهم كضوء أخضر لممارسات مدمرة للصحة، كما يؤكد د.حامد.
ويختم بالتركيز على نقطة بالغة الأهمية، وهي أن نظام "الطيبات" بخلقه لقوائم طويلة من "المحرمات" الغذائية قد يؤدي إلى نقص في فيتامينات ومعادن أساسية توجد في البقوليات والبيض والألبان، مما يضع المتبع لهذا النظام أمام خطر "سوء التغذية النوعي".
ويقول إن " الإصلاح الغذائي الحقيقي يجب أن يقوم على التوازن والاعتدال المدعوم بالبرهان، لا على الانفراد بآراء تصادم الإجماع العلمي وتعتمد على إثارة الجدل كوسيلة للانتشار".