ثورة التكنولوجيا العسكرية تهز جدار الردع النووي.. «تصدع» الحصانة الاستراتيجية
من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، كشفت الحروب والصراعات الأخيرة، عن تحدٍّ غير مسبوق لنظرية الردع النووي التي حكمت النظام الدولي منذ عقود.
ووفق تحليل لـ«فورين أفيرز»، فإن امتلاك الأسلحة النووية لم يعد كافيًا لمنع الهجمات أو حماية الأصول الاستراتيجية من الاستهداف، في ظل صعود الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة منخفضة الكلفة.
- كوريا الشمالية في مرمى المناورات.. نيوزيلندا تدخل معادلة الردع
- أمريكا وروسيا.. صواريخ الردع تعصف بجسور التفاهم النووي
واعتبر التحليل أن العالم دخل مرحلة جديدة تتراجع فيها حصانة القوى النووية التقليدية، وهو ما يفرض إعادة النظر في مفاهيم الأمن والاستقرار الاستراتيجي التي تشكلت منذ الحرب الباردة، وبينها أكثر النظريات رسوخًا في النظام الدولي، وهو فكرة أن الأسلحة النووية توفر حصانة استراتيجية للدول المالكة لها وتمنع خصومها من المجازفة باستهدافها بصورة مباشرة.
لحظة مفصلية
وأشار التحليل إلى أن العملية الأوكرانية «شبكة العنكبوت» تمثل لحظة مفصلية في هذا السياق.
ففي يونيو/حزيران 2025، نفذت أجهزة الأمن الأوكرانية ضربة جريئة داخل روسيا، فقد تسللت إلى البلاد وأخفت طائرات هجومية مسيّرة قصيرة المدى داخل شاحنات شحن بالقرب من عدد من القواعد الجوية الروسية، بما في ذلك قواعد تقع في منطقة أمور على الحدود مع الصين.
وكانت معظم هذه القواعد تضم قاذفات استراتيجية روسية ثقيلة، وهي طائرات قادرة على حمل أسلحة نووية.
وباستخدام شبكة الهاتف المحمول الروسية، أطلق العملاء الأوكرانيون الطائرات المسيّرة عن بُعد، وتمكنوا من تدمير ما لا يقل عن عشر قاذفات وإلحاق أضرار بإجمالي 41 طائرة، من بينها طائرات تُستخدم للقيادة والسيطرة النووية، وفقًا للتقديرات الأوكرانية.
ووفق «فورين أفيرز» فإن أهم جانب في الهجوم لم يكن نسبة التكلفة إلى العائد المذهلة ــ إذ وصف أحد المحللين الأمر بقوله: «طائرة مسيّرة واحدة لا تتجاوز كلفتها 500 دولار دمّرت قاذفة استراتيجية تبلغ قيمتها عشرات الملايين من الدولارات» ــ ولا براعة استغلال شبكات الاتصالات الروسية، بل حقيقة أن مثل هذا الهجوم أمكن حدوثه أصلًا.
فموسكو كانت تؤكد منذ فترة طويلة في عقيدتها العسكرية أن أي هجوم تقليدي على أصولها الاستراتيجية قد يستفز ردًا نوويًا، لكن ذلك لم يمنع كييف.
تحول في عقيدة الدول
كانت العملية الأوكرانية مثالًا على أن الردع النووي لا يعمل كما كان يُفترض أن يعمل، فقد افترضت الدول لعقود أن امتلاك الأسلحة النووية هو الضمان الأكيد لأمنها.
وبحسب التحليل، فقد اعتبر كثير من المحللين والمراقبين في بداية العملية العسكرية الروسية بأوكرانيا عام 2022 أن تلك الحرب تعد دليلًا على أن كييف ارتكبت خطأً عندما وافقت عام 1994 على التخلي عن الأسلحة النووية التي ورثتها عن الاتحاد السوفياتي.
ووفقًا لهذا المنطق، لو امتلكت أوكرانيا القنبلة النووية لما تجرأت روسيا على شن مثل ذلك الهجوم، وينبثق استنتاج يبدو منطقيًا، وهو أن مزيدًا من الدول ستسعى للحصول على الأسلحة النووية باعتبارها بوليصة تأمين ضد أي هجوم، وأن الدول تحتاج في نهاية المطاف إلى هذه الأسلحة الرهيبة لردع خصومها الأخطر.
لكن الصراعات الأخيرة تشير بصورة أوضح إلى العكس تمامًا، فأوكرانيا لا تستهدف أهدافًا عميقة داخل روسيا فحسب، بل تستهدف أيضًا مواقع مرتبطة مباشرة بقدرات روسيا النووية.
كذلك دخلت الهند وباكستان، وهما دولتان تمتلكان أسلحة نووية، في أخطر مواجهة بينهما خلال هذا القرن عندما تبادلتا الهجمات عبر الحدود في مايو/أيار 2025.
وفي جميع هذه الحالات، لم يمنع احتمال التصعيد النووي والانتقام النووي اندلاع الحرب التقليدية أو الهجينة، بل إن الجهات الحكومية وغير الحكومية باتت عمليًا تختبر حدود ردع القوى النووية وتتحدى تهديداتها.
فالعملية لم تستهدف أهدافًا عسكرية عادية، بل استهدفت جزءًا من البنية المرتبطة بالردع النووي الروسي نفسه، من خلال ضرب قاذفات استراتيجية قادرة على حمل أسلحة نووية.
والأهم من ذلك أن هذه الضربات نُفذت بواسطة وسائل منخفضة الكلفة نسبيًا، في مواجهة أصول عسكرية تمثل جزءًا من العمود الفقري للقوة النووية الروسية.
تراجع منطق الردع
ويشرح التحليل أن النظام الدولي طوال عقود الحرب الباردة قام على افتراض أساسي مفاده أن السلاح النووي ليس مجرد أداة للقتال، بل أداة لمنع القتال أصلًا.
فبعد أن امتلكت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ترسانات قادرة على تدمير بعضهما البعض عدة مرات، نشأت نظرية «التدمير المتبادل المؤكد»، والتي تعني أن أي حرب نووية واسعة ستؤدي إلى خسائر كارثية للطرفين، وبالتالي لن يجرؤ أي منهما على البدء بها.
ومن هذا المنطلق تطورت مفاهيم «الردع» و«الاستقرار الاستراتيجي» و«الضربة الثانية» التي أصبحت أساس التفكير العسكري للقوى الكبرى.
ولسنوات طويلة اعتُبر هذا النموذج ناجحًا نسبيًا، إذ لم تقع مواجهة مباشرة بين القوى النووية الكبرى رغم كثرة الأزمات الدولية، كما أن الأسلحة النووية اكتسبت سمعة باعتبارها الضمانة النهائية لأمن الدول التي تمتلكها، لكن الحرب الأوكرانية، بحسب التحليل، كشفت حدود هذا التصور.
وتكتسب عملية «شبكة العنكبوت» أهمية خاصة لأنها أثبتت أن دولة لا تمتلك أسلحة نووية قادرة على استهداف أصول مرتبطة بالردع النووي لدولة نووية كبرى دون أن يؤدي ذلك إلى رد نووي مباشر أو إلى انهيار منظومة الردع بالكامل.
فبعد الصدمة الناجمة عن تدمير قاذفاتها الاستراتيجية، لم تلجأ روسيا إلى الزر النووي، ولم ترد حتى بجولة جديدة من التهديدات النووية العلنية. وبدلًا من ذلك، شنت هجومًا تقليديًا على كييف باستخدام 400 طائرة مسيّرة و40 صاروخًا.
واعتبر التحليل أن هذه النتيجة تمثل تطورًا بالغ الأهمية في فهم حدود القوة النووية وقدرتها على فرض القيود على الخصوم، ويجسد الصدام بين منطق الردع النووي التقليدي وواقع الحروب الحديثة.
مفارقة القوة النووية
ويشير التحليل إلى مفارقة لافتة تتمثل في أن الدول النووية ما زالت قادرة على ردع خصومها النوويين إلى حد بعيد، لكنها أصبحت أقل قدرة على ردع خصوم أضعف يستخدمون أدوات تقليدية أو غير تقليدية.
فروسيا لم تمنع أوكرانيا من تنفيذ عمليات عميقة داخل أراضيها، كما أن الهند وباكستان دخلتا في مواجهات عسكرية خطيرة رغم أن كليهما يمتلك ترسانة نووية معروفة.
ووفق التحليل، فإن هذه الأمثلة تشير إلى أن امتلاك السلاح النووي لا يمنع بالضرورة الحروب المحدودة أو الهجمات التقليدية أو العمليات غير المتماثلة.
إسرائيل والاختبار المستمر
ويتوقف التحليل عند التجربة الإسرائيلية باعتبارها مثالًا إضافيًا على هذه الظاهرة، فإسرائيل اعتمدت لعقود على سياسة الردع الشامل التي تستند إلى التفوق العسكري والقدرات الاستراتيجية.
ومع ذلك لم يمنع هذا الردع تعرضها لهجمات متعددة المصادر خلال السنوات الأخيرة، سواء من حماس أو حزب الله أو غيرها.
بل إن التحليل يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يشير إلى أن بعض الهجمات استهدفت مواقع ترتبط بصورة مباشرة بالبنية النووية الإسرائيلية، وهو ما يعني أن المنشآت التي كانت تُعد سابقًا خارج دائرة الاستهداف أصبحت جزءًا من ساحة الصراع نفسها.
وقد كان الرد الإسرائيلي على هذه الهجمات يتمثل في تعزيز منظومات الدفاع الصاروخي متعددة الطبقات، من القبة الحديدية المصممة للتصدي للهجمات قصيرة المدى، إلى مقلاع داود لاعتراض الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، وصولًا إلى منظومة آرو (السهم) المخصصة للتعامل مع الصواريخ الباليستية بعيدة المدى.
وصُممت هذه الشبكة الدفاعية للتعامل مع طيف واسع من التهديدات، بدءًا من الصواريخ الفردية وانتهاءً بالهجمات الكثيفة.
لكن المفارقة، تكمن في فرق التكلفة بين الصواريخ الاعتراضية المتطورة باهظة الثمن مقارنة بالطائرات المسيّرة الرخيصة التي تواجهها.
ولهذا بدأت إسرائيل، مثل دول أخرى في العالم، تنظر إلى التجربة الأوكرانية بحثًا عن حلول دفاعية منخفضة الكلفة ضد أسراب المسيّرات.
ثورة التكنولوجيا العسكرية
وأشار التحليل إلى أن أحد أهم المحاور يتمثل في الدور الذي لعبته التكنولوجيا الحديثة في إضعاف كثير من الافتراضات القديمة.
فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الجيوش الضخمة أو المنظومات المكلفة، إذ أظهرت أوكرانيا أن المسيّرات التجارية المعدلة والطائرات الانتحارية والصواريخ الدقيقة منخفضة الكلفة يمكن أن تحقق تأثيرات استراتيجية كبيرة.
ويوضح التحليل أن هذه الوسائل تسمح لجهات أصغر حجمًا أو أقل موارد باستهداف أصول استراتيجية كانت في السابق محمية بطبقات معقدة من الدفاعات.
كما أن الفجوة الهائلة بين كلفة الهجوم وكلفة الدفاع تجعل المعادلة أكثر تعقيدًا بالنسبة للدول الكبرى.
الردع لم يسقط بالكامل
ومع ذلك، يرفض التحليل الاستنتاج القائل إن الردع النووي انتهى أو فقد قيمته.
فالعلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا لا تزال، وفق الكاتب، محكومة إلى حد كبير بمنطق الردع التقليدي. كما أن امتلاك القوى الكبرى ترسانات ضخمة لا يزال يمنع المواجهة المباشرة بينهما.
ولهذا السبب يلاحظ التحليل أن واشنطن وموسكو ظلتا حريصتين طوال الحرب الأوكرانية على تجنب الاحتكاك العسكري المباشر، رغم الانخراط غير المباشر الواسع في الصراع.
كذلك فإن الخوف من التصعيد النووي ما زال يدفع القوى الكبرى إلى التدخل لاحتواء الأزمات، كما حدث في المواجهات الأخيرة بين الهند وباكستان.
هل الحل مزيد من الأسلحة النووية؟
وطرح التحليل سؤالًا مهمًا حول ما إذا كانت الدروس المستخلصة من هذه الحروب ستدفع مزيدًا من الدول إلى السعي لامتلاك السلاح النووي.
لكنه حذر من هذا الاستنتاج، معتبرًا أن الوقائع الأخيرة لا تثبت أن الأسلحة النووية تمنع الهجمات أو الحروب التقليدية، بل تثبت فقط أنها ترفع سقف المخاطر في حال التصعيد.
ولهذا السبب يشير إلى النقاشات الجارية في عدد من الدول، مثل ألمانيا وبولندا واليابان وكوريا الجنوبية، حول مستقبل الردع النووي، محذرًا من أن توسيع دائرة الانتشار النووي قد يخلق أزمات جديدة بدلًا من حل الأزمات القائمة.
من الردع النووي إلى مفهوم الصمود
ويخلص التحليل إلى أن العالم قد يكون أمام مرحلة جديدة يصبح فيها مفهوم «الصمود» أكثر أهمية من مفهوم «الردع» نفسه.
فبدلًا من التركيز فقط على امتلاك القدرة على الانتقام النووي، ستحتاج الدول إلى تعزيز قدرتها على حماية قواعدها ومنشآتها الحيوية وشبكاتها العسكرية من الهجمات الدقيقة والمسيّرات وأشكال الحرب الحديثة الأخرى.
كما يدعو إلى تطوير قواعد دولية جديدة تحد من استهداف المنشآت النووية، سواء المدنية أو العسكرية، خشية أن تؤدي الهجمات التقليدية على هذه المواقع إلى أزمات استراتيجية أو كوارث إشعاعية غير مقصودة.
ولا يرى التحليل أن الردع النووي انهار، لكنه يؤكد أن البيئة الأمنية التي سمحت له بالعمل لعقود تتغير بسرعة، وأن الحروب الحديثة أظهرت أن امتلاك القنبلة النووية لم يعد كافيًا وحده لضمان الأمن أو منع الهجمات، وأن القوى النووية باتت مطالبة بإعادة التفكير في أسس أمنها واستراتيجياتها الدفاعية في عالم تتراجع فيه حصانة الأصول الاستراتيجية أمام أدوات قتال أرخص وأكثر انتشارًا وأكثر قدرة على الوصول إلى الأهداف الحساسة.
ويحذر التحليل من خطر استخلاص الاستنتاجات الخاطئة من المرحلة الحالية، فأسوأ سيناريو في نظره هو أن تواصل القوى النووية توسيع ترساناتها دون الالتفات إلى التهديدات التقليدية الجديدة التي قد تأتي من كل الاتجاهات، وليس فقط من خصومها النوويين التقليديين.
ويختتم بالتأكيد على أن الحل لا يكمن في امتلاك مزيد من الأسلحة النووية، لأن قدرتها الردعية أصبحت موضع شك متزايد، بل يكمن الحل في فهم الطبيعة المتغيرة للحروب التقليدية، وكيف أصبحت الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية تهدد المكانة الاستراتيجية المركزية للأسلحة النووية.
ولذلك يجب على الحكومات تطوير دفاعات أفضل وبناء أنظمة أكثر صمودًا لحماية قواتها النووية من الهجمات التقليدية، والعمل على ترسيخ قواعد ومعايير دولية تقلل احتمالات استخدام السلاح النووي وتمنع الكوارث الإشعاعية.
وبهذه الطريقة فقط، وفقًا للتحليل، يمكن للأسلحة النووية أن تستمر في أداء وظيفتها الأساسية، وهي ردع القوى النووية الأخرى ومنع التصعيد الذي قد يقود إلى كارثة عالمية.