سياسة

سر التآمر القطري

الثلاثاء 2017.8.22 09:04 صباحا بتوقيت ابوظبي
  • 423قراءة
  • 0 تعليق
أمل عبد العزيز الهزاني

لا أحد يتصور، مهما بلغت الأحقاد وأوغرت الصدور، أن يخطط رئيس دولة لارتكاب جريمة قتل في حق رئيس دولة شقيقة مجاورة، تجمع بين شعبيهما روابط عميقة ودقيقة ليس من الهين التضحية بها.

إن الكل يتساءل، ليس في الخليج فحسب، بل كل من سمع بقصة تآمر حمد بن خليفة آل ثاني لاغتيال الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله، لماذا؟ ما الذي أوصل هذا الرجل إلى عمل العصابات، وقاده إلى وضع يده بيد شخصية غريبة الأطوار مثل العقيد معمر القذافي داعم الإرهاب الدولي، ليحرضه على تنفيذ عملية القتل؟

مهما اختلفنا سياسيا، وتعددت ميولنا الفكرية، كيف يجرؤ حاكم ما على التفكير في عملية تصفية جسدية لحاكم دولة أخرى؟، فالدول تُحكم بقوانين وعلاقات دولية.

والقصة ليست مجهولة لدى الدائرة الضيقة لحمد بن خليفة، لكنها ليست معروفة لدى معظم القطريين والسعوديين كذلك، وهي بدأت في عهد الملك فيصل، رحمه الله، عام 1972 حينما انقلب خليفة بن حمد، الأمير الأسبق، وجدّ أمير قطر الحالي على ابن عمه الحاكم الشيخ أحمد بن علي إبان ولايته للعهد. والشيخ أحمد كان رجل دولة محنكا، عرف عنه أنه أبو الاقتصاد القطري مع اكتشاف حقول النفط، وله الفضل في البناء الإداري للإمارة الصغيرة، واتسمت فترة حكمه بالنماء والعلاقات المتميزة مع الجوار والدول العربية، وشهدت قطر الاستقلال عن بريطانيا في عهده.

بعد انقلاب الشيخ خليفة بن حمد على ابن عمه، توجّه إلى السعودية للقاء الملك فيصل، رحمه الله، طلبا للاعتراف بنتيجة الانقلاب. وكان رد الملك فيصل بأن المملكة لا ترى تعيين حمد ابنه وليا للعهد، واختارت الشيخ سحيم بن حمد، شقيق خليفة، بدلا منه، لما عرف عن الشيخ سحيم من نفاذ البصيرة وقوة الشخصية والخبرة الدبلوماسية التراكمية، حيث كان يشغل منصب وزير الخارجية وله أفعال مشرفة في لم الصف العربي.

تعهّد خليفة بن حمد بتعيين شقيقه سحيم وليا للعهد بناء على المطلب السعودي، لكنه نقض اتفاقه إثر وصوله إلى الدوحة وقام بتعيين ابنه حمد. كان نقض خليفة لعهده مع الملك فيصل أول الأفعال الصادمة التي تعاقبت بعد ذلك، لكن لم يصدر من الملك فيصل سوى اتصال مع خليفة يذكّره بالاتفاق، ورد عليه بأن ابنه حمد أولى من الشيخ سحيم.

ظل حمد بن خليفة مستاء من الموقف السعودي ضد توليه الحكم، وتنامت عقدة الرفض في نفسه، حتى نازع والده وانقلب عليه ليعزز موقعه أمام الرياض. منذ ذلك الحين وحتى اليوم، تحولت قطر إلى دولة متآمرة، غريبة عن محيطها الخليجي، عدوة لمحيطها العربي.

آل ثاني، أسرة عريقة النسب، رفيعة الذكر، منها رجال شهد لهم التاريخ بالحكمة والشجاعة، وما نراه اليوم من تشويه لسمعة الأسرة عربيا ودوليا هو نتيجة طبيعية لأعمال القيادة الحالية التي انحرفت عن طريق آبائها وأجدادها إلى طريق مظلم لم يكن لها أن تختاره.

هذا ما يفسر الاستقبال الكريم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز للشيخ عبد الله بن علي بن عبد الله، أخي حاكم الاستقلال أحمد بن علي، وابن الحاكم علي بن عبد الله، وهو أحد أبرز رجالات الأسرة الحكماء الوطنيين، الذي تقدم بشفاعة للعاهل السعودي بتيسير أمور مواطنيه للحج هذا العام، ولقي حفاوة وتكريما وتجاوبا من الملك سلمان، بتخصيص غرفة عمليات للحجاج القطريين لمتابعة دخولهم المملكة للحج ولقاء أقاربهم ومتابعة أملاكهم ومصالحهم، كما استضاف من يريد الحج منهم على حسابه الخاص.

السعودية ليس لديها حسابات شخصية عالقة مع قطر أو أسرة آل ثاني، مأخذها الوحيد أن القيادة الحالية ارتكبت فظائع في حق جيرانها، وحاكت المؤامرات لزعزعة أمن واستقرار معظم دول الخليج، ليس فقط من خلال تدبيرها لمقتل الملك عبد الله بن عبد العزيز، رحمه الله، بل تمادت إلى تمويل الإرهابيين من السنّة والشيعة، وإيواء المحرضين من الجماعات الضالة كجماعة الإخوان المسلمين، واستخدام عوائد النفط والغاز لتقوية حضورها السياسي في سوريا وليبيا ومصر على حساب استقرار هذه الدول، وتعزيز علاقتها بالجمهورية الإيرانية؛ عدو العرب.

مقاطعة قطر هي أقل ما يمكن للسعودية ومصر والبحرين والإمارات أن تقوم به ضد كل هذه الأعمال الشريرة التي شاء حمد بن خليفة أن يتبناها منذ عقود، وصبرت عليه هذه الدول تقديرا للتاريخ والجوار حتى اكتفت.

ومن المهم ذكره، أن من محاسن استقبال الملك سلمان للشيخ عبد الله بن علي ليس فقط ما صب في مصلحة المواطنين القطريين، رغم أهمية هذه الناحية، ولكنه كذلك جاء ليقول للخليجيين والعرب والعالم إن آل ثاني لا يعدمهم الرجال الصالحون، ولا يشوب قطر المراهقة السياسية التي يمارسها حمد بن خليفة، لأن فيها من الوطنيين العروبيين من يرفض هذه الممارسات، سواء من داخل قطر أو خارجها، من أسرة آل ثاني أو من غيرهم من الأسر القطرية التي عانت ولا تزال من قمع داخلي وصل إلى حد سجن شخصيات من المخضرمين والشباب من الأسرة أو اضطرارهم للخروج من بلدهم. هذه الأزمة أخرجت للساحة العامة أسماء من الخيّرين لم يكن المجتمع الخليجي يعرفها، تقود هذا الحراك السلمي ضد قيادة وشمت سمعة الدولة والأسرة الحاكمة بالعار.

نقلا عن "الشرق الأوسط"

تعليقات