أوروبا والاستقلال الدفاعي.. 3 «ألغام» على الطريق
الأنظار تتجه إلى مؤتمر ميونخ للأمن، هناك حيث يعتزم عدد من صناع القرار والمحللين الأوروبيين الدفع نحو تسريع مسار الاستقلال الدفاعي.
وتأتي مساعي تكتل القارة العجوز في ضوء التوتر الذي طبع العلاقات عبر الأطلسي خلال العام الماضي، وفقا لمجلة «ناشيونال إنترست».
وأعادت سياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طرح تساؤلات جوهرية في أوروبا بشأن مدى موثوقية المظلة الأمنية الأمريكية، خصوصاً بعد تضمين استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 مواقف حادة تجاه بعض التوجهات السياسية الأوروبية.
كما تضمنت أيضا المطالبة المتكررة بأن يتحمل الحلفاء الأوروبيون مسؤولية أمنهم بأنفسهم.
وزادت هذه الشكوك مع إثارة واشنطن مسألة السيطرة على غرينلاند التابعة للدنمارك، حليفة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وما رافق ذلك من تصريحات لم تستبعد استخدام القوة قبل أن يتم التراجع عنها لاحقاً.
وبالتوازي مع ذلك، تصاعد الخطاب الأمريكي الداعي إلى تقليص دور واشنطن في الدفاع عن أوروبا إلى مستوى “الدعم”، وهو ما أضعف ثقة قطاعات واسعة من النخب الأوروبية بصلابة الالتزام الأمريكي بالمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي.
غير أن الطموح نحو استقلال دفاعي أوروبي يصطدم بثلاثة عوائق رئيسية تتداخل فيها العوامل العسكرية والسياسية والهوياتية:
أولاً: استمرار الاعتماد على الولايات المتحدة في «العوامل التمكينية الأساسية»
رفع الإنفاق الدفاعي، كما أقرّته قمة لاهاي للحلف عام 2025 عبر الالتزام بنسبة 3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع و1.5 في المئة إضافية للمتطلبات المرتبطة به، يمثل خطوة مهمة لكنه غير كافٍ لتحقيق الاستقلال الاستراتيجي.
فالجيوش الأوروبية لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على أمريكا في قدرات حاسمة تُعرف بـ«العوامل التمكينية الأساسية»، مثل الاستخبارات المتكاملة، وأنظمة المراقبة والاستطلاع، والنقل الجوي الاستراتيجي، والدفاع الصاروخي، وقمع الدفاعات الجوية المعادية.
وهذه القدرات لا يمكن تعويضها سريعاً، إذ تتطلب استثمارات ضخمة، وتنسيقاً عابراً للحدود، وتطويراً صناعياً وتكنولوجياً طويل الأمد، ومن دون سد هذه الفجوات، سيظل أي حديث عن استقلال دفاعي أوروبي منقوصاً من الناحية العملياتية.
ثانياً: تباين تصورات التهديد الروسي داخل أوروبا
يكشف المشهد الأوروبي عن اختلافات عميقة في تقييم الخطر الروسي. فدول مثل بولندا تنظر إلى موسكو باعتبارها التهديد الأمني الأول، ما يفسر توجه وارسو لرفع إنفاقها الدفاعي إلى 4.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2026.
وفي ألمانيا، ورغم الحساسيات التاريخية، تعزز الإدراك بضرورة رفع الجاهزية العسكرية، مع زيادة الميزانية الدفاعية إلى نحو 108 مليارات يورو في 2026، بارتفاع ملحوظ مقارنة بعام 2024.
في المقابل، تتبنى فرنسا والمملكة المتحدة مقاربة أقل إلحاحاً، استناداً إلى امتلاكهما ردعاً نووياً مستقلاً يقلل، وفق تقديراتهما، احتمالات التعرض لهجوم مباشر.
أما إيطاليا، فتركز أولوياتها الأمنية على عدم الاستقرار في البحر الأبيض المتوسط وتداعيات الهجرة غير النظامية، ما يجعل مسألة رفع الإنفاق الدفاعي موضع جدل داخلي واسع، ويحدّ من الحماسة لتبني مقاربة تصعيدية تجاه موسكو.
وهذا التباين في تعريف الخطر وترتيب الأولويات يعيق بلورة رؤية استراتيجية موحدة، ويجعل من الصعب توجيه الموارد الأوروبية نحو هدف دفاعي مشترك يركز بوضوح على الجبهة الشرقية.
ثالثاً: تعارض الهويات الاستراتيجية داخل أوروبا
يتجاوز التحدي حدود الحسابات العسكرية ليطال البعد الهوياتي، ففرنسا والمملكة المتحدة لا تزالان تنظران إلى نفسيهما كقوتين عالميتين، مستندتين إلى إرث إمبراطوري وانتشار عسكري واسع في مناطق متعددة من العالم.
وتنعكس هذه الهوية في بنية قواتهما المسلحة المصممة جزئياً لدعم عمليات وانتشار خارجيين، وليس حصراً للدفاع القاري.
في المقابل، تشكل ذاكرة الحرب العالمية الثانية عاملاً كابحاً في ألمانيا وإيطاليا، حيث تسود نزعة سلمية وحذر مجتمعي من توسيع الدور العسكري.
ويظهر ذلك في الجدل الألماني حول التجنيد الإجباري، وفي محدودية التأييد الشعبي الإيطالي لزيادة الإنفاق الدفاعي أو توسيع استخدام القوة. هذه الخلفيات التاريخية المتباينة تصعّب مهمة بناء ثقافة استراتيجية أوروبية مشتركة قادرة على دعم تحول دفاعي جذري.
وأمام هذه التحديات، يبدو أن تحقيق الاستقلال الدفاعي الأوروبي لن يكون رهناً بالموارد المالية فحسب، بل بقدرة القادة على توحيد سردية التهديد وإقناع الرأي العام بضرورة تحمّل كلفة أكبر اليوم لتفادي مخاطر أكبر غداً.