مستقبل إدارة الثروات.. 10 أولويات استراتيجية تحددها «إرنست أند يونغ»
كشف تقرير حديث صادر عن مؤسسة «إيرنست أند يونغ» (EY) أن صناعة إدارة الثروات تدخل مرحلة تحول عميقة.
وقال التقرير إن هذه المرحلة مدفوعة بعشرة أولويات استراتيجية ستعيد تشكيل قيادة القطاع خلال السنوات المقبلة.
وتمثل هذه الأولويات "قناعات موجهة للقرار" تساعد المؤسسات على التعامل مع المتغيرات المتسارعة في خلق القيمة، بدءاً من توظيف الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وصولًا إلى تطور توقعات العملاء، والضغوط التنظيمية، والاستدامة.
وأكد التقرير أن قدرة شركات إدارة الثروات على تحقيق قيمة مستدامة ستعتمد على مدى نجاحها في تطوير وتنفيذ مبادرات تحولية تتماشى مع هذه المتغيرات، بما يعزز قدرتها التنافسية في سوق يشهد تغيرات متسارعة.
الذكاء الاصطناعي
أما أول العوامل التي ستؤثر على قطاع إدارة الثروات فهي الذكاء الاصطناعي. وبحسب تقرير EY ، فإن الذكاء الاصطناعي سيُحدث تحولًا استراتيجيًا وهيكليًا في إدارة الثروات، عبر إعادة تشكيل نماذج العمل وطريقة تقديم الخدمات، بما يتيح توفير خدمات التخطيط المالي على نطاق أوسع، مع تعزيز الإنتاجية وتجربة العملاء وكفاءة فرق العمل.
وفي المقابل، قد يزيد الاعتماد على الإدارة الذاتية للاستثمارات ويقلص قيمة بعض الخدمات التقليدية، وهو ما يرفع أهمية الخبرة البشرية والثقة في القرارات المعقدة.
ويؤكد التقرير أن التحدي الأكبر لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في إعادة تصميم العمليات والحوكمة وإدارة التغيير داخل المؤسسات، مع ضمان تبني الذكاء الاصطناعي بشكل تدريجي وآمن وتحت إشراف بشري.
عروض مخصصة لكل شريحة
ويشير تقرير EY إلى أن النمو المربح في إدارة الثروات يعتمد على تطوير عروض وخدمات مخصصة لكل شريحة من العملاء، بدلًا من الاعتماد على تقسيمهم وفق حجم الأصول فقط.
فالمؤسسات مطالبة بتحويل البيانات المتعددة عن العملاء إلى تجارب وخدمات تتوافق مع احتياجاتهم وسلوكياتهم وأهدافهم المالية.
ويؤكد التقرير أن العملاء، خصوصًا أصحاب الثروات المتوسطة، يطالبون بصورة متزايدة بخدمات التخطيط المالي والاستثمار القائم على القيم، ما يتطلب تحديث أنظمة العمل والتكنولوجيا لتقديم تجربة تبدو شخصية وقابلة للتوسع في الوقت نفسه.
الذكاء السلوكي يعزز المبيعات
ويرى التقرير أن الميزة التنافسية المقبلة ستكون في فهم السلوك النفسي للعملاء باستخدام الذكاء الاصطناعي، من خلال بناء نماذج تحاكي كيفية اتخاذهم للقرارات الاستثمارية.
وتتيح هذه النماذج تقديم عروض واستشارات أكثر دقة، والتنبؤ باحتمالات انتقال العملاء إلى منافسين، وتحسين معدلات تحويل العملاء المحتملين إلى مستثمرين فعليين، فضلًا عن زيادة الإيرادات وخفض تكاليف الخدمة.
ويؤكد التقرير أن دمج التحليلات السلوكية في عمل المستشارين الماليين سيسهم في تقديم تجربة أكثر تخصيصًا، عبر توصيات تتوافق مع درجة تقبل العميل للمخاطر وأولوياته وأهدافه الاستثمارية.
السيولة أولاً
ويؤكد تقرير EY أن التوسع في الاستثمار بالأسواق الخاصة لن ينجح إلا إذا ارتبط بإدارة صارمة للسيولة. فرغم أن الصناديق شبه السائلة فتحت المجال أمام شريحة أوسع من المستثمرين للدخول إلى الأصول الخاصة، فإنها لا تضمن سهولة التخارج في أوقات التقلبات. لذلك، ينبغي على شركات إدارة الثروات دمج اعتبارات السيولة في تصميم المحافظ الاستثمارية، واختيار المنتجات، وتقييم ملاءمتها للعملاء، مع توعية المستثمرين بالمخاطر المحتملة.
ويرى التقرير أن الشفافية في إدارة السيولة ستصبح عنصرًا رئيسيًا لبناء الثقة وتعزيز الاحتفاظ بالعملاء وتحقيق نمو مستدام.
تسعير قائم على القيمة
ويشير التقرير إلى أن نماذج التسعير التقليدية المعتمدة على حجم الأصول المدارة تواجه ضغوطًا متزايدة من الجهات الرقابية والعملاء، الذين باتوا يطالبون بإثبات القيمة الفعلية للخدمات المقدمة.
ومن المتوقع أن تتجه المؤسسات إلى نماذج تسعير هجينة تربط الرسوم بدرجة تعقيد الخدمة، مثل التخطيط الضريبي، وإدارة الخلافة، والتمويل، وحوكمة الثروات العائلية، بدلاً من الاعتماد على رسوم موحدة.
ويؤكد التقرير أن قوة التسعير مستقبلًا ستعتمد على القدرة على إثبات المنافع التي يحصل عليها العميل مقابل ما يدفعه.
صعود المستثمر المستقل
ويتوقع التقرير تسارع نمو المستثمرين الذين يديرون أموالهم بأنفسهم بفضل الذكاء الاصطناعي، الذي يخفض تكلفة الوصول إلى أدوات الاستثمار ويزيد الاعتماد على المنصات الرقمية.
ويحذر من أن شركات إدارة الثروات لم تعد مطالبة بمنع هذا التحول، بل بالحفاظ على العملاء داخل منظومتها عبر دمج الذكاء الاصطناعي في الخدمات الاستشارية وتقديم نموذج هجين يجمع بين المستشار البشري والأدوات الذكية.
كما يدعو إلى رصد العملاء المعرضين لنقل أصولهم إلى منصات مستقلة، وتقديم خدمات أكثر تخصيصًا للحفاظ على العلاقات طويلة الأجل.
شفافية ضريبية أكبر
ويرى تقرير EY أن الضرائب أصبحت عنصرًا أساسيًا في إدارة الثروات، مع تزايد اهتمام العملاء بالعائد الصافي بعد احتساب الرسوم والضرائب وتقلبات أسعار الصرف والتضخم، وليس فقط العائد الاستثماري. لذلك، يدعو التقرير إلى الاعتماد على أنظمة رقمية توفر توقعات ضريبية مسبقة وتسويات لاحقة مدعومة ببيانات قابلة للتدقيق، بما يعزز الشفافية ويرفع كفاءة إدارة المحافظ، خاصة في الاستثمارات العابرة للحدود، مع استمرار الاعتماد على الخبراء الضريبيين في الحالات الأكثر تعقيدًا.
عولمة بمرونة محلية
ويؤكد التقرير أن شركات إدارة الثروات لن تنجح بالاعتماد على نموذج عمل موحد عالميًا، إذ تختلف احتياجات الأسواق بين الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. لذا، ينبغي الجمع بين الكفاءة التشغيلية العالمية والتكيف مع خصوصية كل سوق، من خلال مراكز تشغيل متعددة وهيكل موحد يدعم تقديم خدمات محلية دون زيادة التعقيد أو تنوع المنتجات.
ويشير التقرير إلى أن الأسواق الأسرع نموًا والأكثر ربحية ستكون المحرك الرئيس لتوسع الشركات خلال السنوات المقبلة.
إدارة مخاطر فورية
كما يتوقع التقرير تحول إدارة المخاطر والامتثال من دور رقابي تقليدي إلى منظومة رقمية تعمل في الوقت الفعلي، مدفوعة بتزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وتشديد المتطلبات التنظيمية.
ويؤكد أن المؤسسات مطالبة بدمج أدوات الرقابة داخل الأنظمة التشغيلية نفسها، بحيث تعمل الضوابط تلقائيًا أثناء تنفيذ العمليات، بدلاً من مراجعتها بعد انتهائها.
ويرى التقرير أن هذا النهج سيسرّع إطلاق المنتجات الجديدة، ويعزز ثقة العملاء والجهات الرقابية، ويحول الامتثال من عبء تشغيلي إلى عنصر يدعم الكفاءة والقدرة التنافسية.
مستشارون أذكياء لكسب الثقة
يؤكد تقرير EY أن المنافسة في إدارة الثروات لم تعد تدور حول استخدام الذكاء الاصطناعي، بل حول قدرة المؤسسات على كسب ثقة العملاء وبياناتهم. فمع تزايد اعتماد المستثمرين على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المشورة المالية، تواجه البنوك خطر فقدان دورها في المراحل الأولى من رحلة العميل.
ويرى التقرير أن المؤسسات الفائزة ستكون تلك التي تطور منصات استشارية مدعومة بالذكاء الاصطناعي داخل بيئة آمنة، تعتمد على بيانات مالية موثوقة وترتبط بالمستشارين البشريين، بما يوفر استشارات أكثر دقة واستمرارية ويعزز ولاء العملاء، مع تحسين جودة التوصيات كلما زاد استخدام المنصة.
توصيات التقرير
واختتم تقرير EY بالتأكيد على أن نجاح قادة إدارة الثروات في المرحلة المقبلة يتطلب تعزيز القدرة على استشراف المستقبل، وفهم محركات التغيير، واتخاذ قرارات سريعة تستند إلى احتياجات العملاء. ويرى التقرير أن التحول الحقيقي لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل على قيادات تمتلك رؤية واضحة وقدرة على تجاوز مقاومة التغيير داخل المؤسسات.
وفي الوقت نفسه، يشدد على أن التطور يجب أن يكون هادفًا، إذ تبقى احتياجات العملاء الأساسية ثابتة رغم التحولات المتسارعة، وفي مقدمتها الحصول على علاقة قائمة على الثقة، ومستشار يمكن الاعتماد عليه عند اتخاذ القرارات المالية المعقدة والمصيرية.