اقتصاد

حرب التجارة.. معركة الحاضر هدفها المستقبل

الجمعة 2018.4.6 10:48 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 532قراءة
  • 0 تعليق
مجدي صبحي

في خطوات سريعة ومتلاحقة، وإن كانت متوقعة على أية حال، قامت الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية إضافية قدرها 25% على واردات من الصين تبلغ قيمتها 50 مليار دولار، ليعقبها قرار من الصين بفرض تعريفة جمركية بنفس المقدار على واردات من أمريكا تبلغ قيمتها أيضا 50 مليار دولار. ويأتي هذا القرار بعد أن كانت الولايات المتحدة قد قصرت زيادة التعريفات الجمركية بنسبة 25% على وارداتها من الصلب وبنسبة 10% على وارداتها من الألومنيوم على الصين وحدها، وهو ما ردت عليه الصين بفرض تعريفات جمركية على واردات من أمريكا تبلغ قيمتها 3 مليارات دولار. 

وعلى الرغم من مراهنة البعض على أن ما يحدث هو مجرد تصعيد حتى حافة الهاوية من كلا الجانبين، مع منح مهلة للتفاوض تبلغ نحو شهرين قبل تطبيق التعريفات المزمعة، فإن طبول الحرب التجارية بدأت بالقرع بين أكبر اقتصادين وأكبر قوتين تجاريتين في العالم وبما يترتب عليها من آثار سلبية على البلدين، بل وعلى النظام التجاري الدولي متعدد الأطراف في الإجمال أضحت أقرب سمعا. وفي اعتقادي أن ما يلفت النظر حقيقة فيما تم اتخاذه من قرارات هو الأهداف التي يتوخاها كل طرف من قراراته، وهو ما يمكن الكشف عنه من خلال نوعية السلع التي تم فرض التعريفات الجمركية الجديدة عليها.

على الرغم من مراهنة البعض على أن ما يحدث هو مجرد تصعيد حتى حافة الهاوية من كلا الجانبين، مع منح مهلة للتفاوض تبلغ نحو شهرين قبل تطبيق التعريفات المزمعة، فإن طبول الحرب التجارية بدأت بالقرع بين أكبر اقتصادين وأكبر قوتين تجاريتين في العالم

فالولايات المتحدة لديها مشكلة عجز تجاري مزمن مع الكثير من بلدان العالم، ولكن الصين تأتي على رأس هذه البلدان. حيث صدّرت في العام الماضي للولايات المتحدة سلعا تقدر قيمتها بما يزيد على 525 مليار دولار، بينما استوردت ما قيمته 150 مليار دولار من السلع الأمريكية، وهو ما ترك عجزا تجاريا بلغ 375 مليار دولار. واللافت للنظر أن ما أعلنه الممثل التجاري الأمريكي لايتهايزر من قائمة للسلع التي ستفرض عليها التعريفة الجمركية الجديدة والتي يبلغ عددها 1300 سلعة تتركز في قطاعات الصناعات المتقدمة تكنولوجيا.

وتبرر الإدارة الأمريكية ذلك بأنها ترمي إلى معاقبة بكين على سرقتها لحقوق الملكية الفكرية الأمريكية، أو لإجبارها الشركات الأمريكية الراغبة في العمل في الصين على نقل وإفشاء أسرارها التكنولوجية حتى يتم السماح لها بدخول السوق. ويحقق هذا التركيز على تلك النوعية من السلع، عددا من الأهداف للولايات المتحدة، ربما من أهمها ما يلي:

الهدف الأول والأكثر أهمية هو حرمان الصين من خططها الرامية للتحول إلى اقتصاد متقدم ومتخصص في تصدير السلع المتقدمة تكنولوجيا بحلول عام 2025، وهو أمر تخشى الولايات المتحدة من عواقبه على المدى المتوسط والبعيد على مزاياها النسبية القائمة على التخصص في إنتاج وتصدير سلع وخدمات التكنولوجيا، وهي ذات القيمة المضافة الأعلى عالميا.

أما الهدف الثاني فهو حرمان الصين من التوسع الخارجي وبناء مناطق نفوذ لها، خاصة في الدائرة القريبة منها. أي حرمان الصين من خلق مدارها الخاص الذي تدور فيه حولها الدول المحيطة بها. فبينما تخطط الصين لاجتذاب استثمارات أجنبية مباشرة تبلغ نحو 600 مليار دولار خلال الأعوام الخمسة المقبلة، فإنها تعتزم في نفس الوقت رفع استثماراتها الخارجية المباشرة إلى 750 مليار دولار خلال نفس الفترة، كما تخطط لأن تبلغ وارداتها 8 تريليونات دولار أي نحو 1600 مليار دولار سنويا.

والطبيعي أن تتركز تلك الاستثمارات في المبادرة الصينية التي يطلق عليها مبادرة "الحزام والطريق"، ومن أكبر المستفيدين منها الدول المحيطة بها والأقل من حيث مستوى التنمية الاقتصادية. وربما كان من أفضل النظريات في محاولة تفسير هذا التوجه ما يطلق عليها نظرية "الأوز الطائر". وتذهب هذه النظرية إلى أن التنمية في هذه المنطقة لا تتم بشكل فردي، بل تتم بشكل شبه جماعي. حيث إن بلدان المنطقة تطير في شكل سرب الأوز وإن كان على ارتفاعات وبسرعات مختلفة. حيث تميل البلدان الأكثر تقدما (الأوزة قائد السرب) إلى نقل الصناعات الأقل تقدما إلى البلدان التي تليها في سلم التطور الاقتصادي. حيث تستفيد بذلك البلدان المتقدمة من الرخص النسبي للأيدي العاملة في البلدان الأقل تقدما بنقل صناعاتها الكثيفة العمالة إليها، بينما تستفيد البلدان الأقل تقدما في الوقت ذاته بسيرها في طريق التصنيع والتصدير للخارج. ولا تقتصر العلاقة حسب النظرية على مجال الاستثمارات فقط، بل تشمل أيضا مجال التجارة، حيث يتعزز التبادل التجاري بين هذه البلدان في أعقاب تدفق الاستثمارات، أو يأتي مترافقا معها.

وتهدف الولايات المتحدة ثالثا بقصر إجراءاتها على الصين، وفي مجال السلع كثيفة التكنولوجيا، إلى تمتين التحالف الغربي في مواجهتها. فالعديد من الدول الأوروبية تنتقد بدورها بكين لانتهاكها حقوق الملكية الفكرية. ومن المؤكد أن الشركات الأوروبية ستستفيد من أي تنازل محتمل للصين فيما يتعلق بشروط فتح سوقها المحلية، خاصة ما يتعلق بشرط نقل وإفشاء الأسرار التكنولوجية لهذه الشركات.

وأخيرا فتركيز رفع التعريفات على هذه السلع، تجنب التأثير على سلع الاستهلاك الجماهيري وتفادى رفع أسعار المستهلك لهذه السلع المستوردة، إذ الملاحظ أنه لم يتم فرض زيادة في الرسوم الجمركية على السلع التي تهم الجمهور مثل الأحذية والملابس.

على الجانب الآخر، امتدت السلع التي أعلنت الصين أنها ستفرض عليها زيادة في الرسوم الجمركية لتشمل مروحة واسعة من القطاعات. فهناك السلع الزراعية وخاصة فول الصويا والذرة واللحوم والأبقار، إلى جانب منتجات صناعية مهمة مثل السيارات والطائرات التجارية والمنتجات الكيماوية. والهدف المباشر لبكين هو التضييق على المنتجين لهذه السلع بهدف إجبارهم على ممارسة ضغوط على الإدارة حتى تتراجع عن قراراتها. كما تهدف الصين إلى التأثير سلبا على القاعدة الانتخابية المؤيدة للرئيس الأمريكي وللحزب الجمهوري عموما وعلى ممولي الحملات الانتخابية من الشركات الكبرى، خاصة في ظل اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.

هكذا بينما تهدف واشنطن إلى حرمان بكين من استمرار تقدمها الاقتصادي والتقني وتوسيع مجال نفوذها، وهو أمر تعلم أنها قادرة نسبيا عليه بحكم سيطرة الدولة على عملية صنع القرار الاقتصادي. إذ رغم التوسع الكبير للقطاع الخاص في الصين (سواء المحلي أو الأجنبي)، فإن يد الدولة ما زالت ثقيلة بتحكمها في القواعد المنظمة لعمل الأسواق، كما لا يزال لديها تحكم شبه تام في القطاع المالي، وفي جزء لا يستهان به من النشاط الاقتصادي خاصة في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والبحث العلمي. وعلى العكس من ذلك ترى بكين أن طريقها للتأثير على القرار الأمريكي هو الضغط المباشر على الشركات والمنتجين الأمريكيين الذين يستحيل على الإدارة أو الأحزاب كسب الانتخابات مستقبلا دون الحصول على دعمهم المباشر.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات