عسكر بوركينا فاسو يستعيرون أدبيات شمولية.. كلمة تعيد هندسة السلطة (خاص)
في محاولة لـ«خلق شعور بالانتماء الجماعي في مواجهة التهديدات الخارجية»، وتعزيز التماسك الوطني عبر لغة ذات طابع «نضالي»، فرضت بوركينا فاسو استخدام مصطلح «الرفيق» في الخطاب الإداري.
واعتبر أن فرض استخدام كلمة «الرفيق» يتجاوز كونه مجرد تعديل بروتوكولي، ليعكس تحولات أعمق في طبيعة النظام السياسي في بوركينا فاسو، وفي موقعه داخل التوازنات الإقليمية والدولية، وسط مرحلة تشهد إعادة تشكيل شاملة للمشهد السياسي في منطقة الساحل.
قرار اعتبره خبراء استطلعت «العين الإخبارية» آراءهم، يعكس تحولات أعمق في طبيعة النظام السياسي في بوركينا فاسو، وفي موقعه داخل التوازنات الإقليمية والدولية، وسط مرحلة تشهد إعادة تشكيل شاملة للمشهد السياسي في منطقة الساحل
وأرسل رئيس الوزراء جان إيمانويل ويدراوغو، في الأول من يونيو/حزيران، مذكرة إلى أعضاء الحكومة ورؤساء المؤسسات، دعاهم فيها إلى اعتماد مصطلح «الرفيق» بشكل منهجي في المراسلات الإدارية، والخطابات الرسمية، والتصريحات العامة، مؤكدًا أن هذا الاستخدام يهدف إلى «تكريس روح المساواة، والأخوّة النضالية، والتضامن الفعّال بين القادة والشعب».
القرار في الميزان
وإلى ذلك، قال الباحث الفرنسي المتخصص في شؤون الساحل مارك-أنطوان بيروز دو مونكلو، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن هذه الخطوة تعكس محاولة واضحة من السلطة العسكرية بقيادة إبراهيم تراوري لإضفاء طابع أيديولوجي على الحكم، مستلهم من تجارب ثورية سابقة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وأوضح أن استخدام كلمة «الرفيق» ليس بريئًا، بل يهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، عبر خطاب يوحي بالمساواة والتقارب، في حين أن الواقع السياسي يتجه نحو تركيز السلطة وتقليص هامش المعارضة.
«شرعية ثورية»؟
وأضاف أن هذا النوع من الخطاب يستخدم عادة في الأنظمة التي تسعى إلى بناء شرعية ثورية بديلة عن الشرعية الانتخابية، وخاصة في ظل غياب أفق واضح لعودة الحكم المدني.
وأشار بيروز دو مونكلو إلى أن لهذا التحول اللغوي انعكاسات محتملة على السياسة الخارجية لبوركينا فاسو؛ إذ يعزز صورتها كدولة تنأى بنفسها عن النماذج الغربية التقليدية، خاصة فرنسا، وتتجه نحو شركاء جدد مثل روسيا أو دول أخرى خارج الفضاء الفرنكفوني التقليدي.
ورأى أن هذا الخطاب قد «يفسر في العواصم الغربية كإشارة إضافية على الابتعاد السياسي والأيديولوجي، ما قد ينعكس على مستوى التعاون الدبلوماسي والأمني في المستقبل».
من جانبها، تعتبر الباحثة الفرنسية نياغالي باغايوكو، المتخصصة في قضايا الأمن بأفريقيا، في حديث لـ«العين الإخبارية»، القرار يندرج ضمن استراتيجية أوسع لإعادة صياغة الدولة في بوركينا فاسو على أسس "سيادية" وشعبوية.
انعكاسات على السياسة الخارجية
وأوضحت أن استخدام مصطلحات مثل «الرفيق» يهدف إلى خلق شعور بالانتماء الجماعي في مواجهة ما تصفه السلطات بـ«التهديدات الخارجية»، سواء كانت أمنية أو سياسية.
ورأت أن هذا الخطاب يستخدم -أيضًا- كأداة تعبئة داخلية في ظل الحرب المستمرة ضد الجماعات الإرهابية، حيث تحاول السلطة تعزيز التماسك الوطني عبر لغة موحدة ذات طابع نضالي.
مخاطر محتملة
وحذرت باغايوكو من أن هذه المقاربة قد تحمل مخاطر، إذ يمكن أن تؤدي إلى مزيد من العزلة الدولية إذا اقترنت بسياسات إقصائية أو قمعية تجاه المعارضة.
وأشارت إلى أن الشركاء الدوليين قد ينظرون إلى هذه التحولات كجزء من توجه أوسع نحو الانغلاق، ما قد يؤثر على المساعدات والتعاون، خاصة في مجالات الأمن والتنمية.
أما على المستوى الأفريقي فقال الباحث المالي موديبيو غويتا، في مركز الدراسات الأمنية بأفريقيا في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن استخدام مصطلح «الرفيق» يعكس دينامية داخلية أكثر من كونه رسالة موجهة للخارج.
وأوضح أن العديد من دول الساحل تشهد حاليًا إعادة تعريف لعلاقتها بالدولة، في ظل تراجع الثقة في النخب السياسية التقليدية، وأن هذا النوع من الخطاب يسعى إلى سد الفجوة بين السلطة والمجتمع، ولو بشكل رمزي.
خطاب سيادي وأداة تعبئة داخلية
وأضاف غويتا أن التأثير على السياسة الخارجية سيبقى محدودًا في المدى القصير، لأن أولويات بوركينا فاسو تظل أمنية بالدرجة الأولى، خاصة في مواجهة الجماعات المسلحة، مشيراً إلى أن تراكم هذه الإشارات الرمزية قد يعمّق على المدى البعيد تموضع البلاد ضمن محور إقليمي جديد في الساحل، يتبنى خطابًا سياديًا ويرفض النفوذ الخارجي التقليدي، وهو ما قد يعيد رسم موازين القوى في المنطقة.
ولفت إلى أن فرض استخدام كلمة «الرفيق» يتجاوز كونه مجرد تعديل بروتوكولي، ليعكس تحولات أعمق في طبيعة النظام السياسي في بوركينا فاسو، وفي موقعه داخل التوازنات الإقليمية والدولية، وسط مرحلة تشهد إعادة تشكيل شاملة للمشهد السياسي في منطقة الساحل.