أسعار البنزين.. ورقة ضغط تهدد تحالف ترامب النفطي
تهدد أسعار البنزين المرتفعة في الولايات المتحدة تحالفا وعلاقة صداقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأرباب صناعة النفط في البلاد.
ووفقا لتحليل نشرته مجلة "فورتشن"، فقد اتهم الرئيس الأمريكي كبار منتجي النفط باستغلال المستهلكين وهدد بتحقيقات مع ارتفاع أسعار البنزين قبل الانتخابات النصفية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وذلك رغم تراجع أسعار النفط الخام، في تحول لافت عن التحالف الوثيق الذي جمع الطرفين خلال حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024.
من التحالف للعداء
وكان عدد من كبار رجال صناعة النفط قد دعموا عودة ترامب إلى البيت الأبيض، حيث وصف الملياردير هارولد هام، مؤسس شركة "كونتيننتال ريسورسز"، انتخابات 2024 بأنها "الأهم في حياتنا"، وحث مسؤولي قطاع الطاقة على تمويل حملة ترامب. كما اعتبرت فيكي هولوب، الرئيسة التنفيذية السابقة لشركة "أوكسيدنتال بتروليوم"، أن فوز ترامب يمثل تطورًا "إيجابيًا للغاية" لقطاع النفط والغاز، خاصة بعدما تعهد خلال حملته بإلغاء عدد من القيود البيئية ومنح الشركات مزايا ضريبية وتنظيمية.
وبحسب تقرير صادر عن منظمة "كلايمت باور"، ضخّت شركات مثل "كونتيننتال ريسورسز" و"أوكسيدنتال بتروليوم" نحو 96 مليون دولار مباشرة في حملة إعادة انتخاب ترامب بين عامي 2023 و2024، بينما بلغ إجمالي ما أنفقته شركات النفط والغاز على التبرعات والإعلانات والضغط السياسي خلال الدورة الانتخابية نحو 445 مليون دولار.
وفي المقابل، استفادت الصناعة من السياسات التي تبناها ترامب بعد عودته إلى البيت الأبيض، بما في ذلك إلغاء عدد من الحوافز الخاصة بالطاقة النظيفة، وإقرار حزمة تشريعية تضمنت إعفاءات ضريبية تقدر بنحو 18 مليار دولار موجهة خصيصًا لشركات النفط والغاز.
إلا أن هذا التقارب بدأ يتصدع مع استمرار ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة، وما صاحبه من ضغوط تضخمية أثقلت كاهل المستهلكين. وفي منشور على منصة "تروث سوشيال"، اتهم ترامب شركات النفط الكبرى بعدم تخفيض أسعار الوقود بما يتناسب مع انخفاض أسعار النفط الخام، قائلاً إن المستهلكين "يتعرضون للاستغلال"، معلنًا أنه أصدر تعليمات إلى وزارة العدل للتحقيق في هذه الممارسات، دون أن يحدد إطارًا زمنيًا لبدء التحقيقات.
وخلال حديثه للصحفيين، وجه ترامب اتهامات مباشرة إلى شركات "شيفرون" و"إكسون موبيل" و"بي بي" و"شل"، معتبرًا أنها لم تعكس انخفاض تكلفة النفط على أسعار البنزين في محطات الوقود. ولا تزال أسعار البنزين مرتفعة نتيجة الاضطرابات التي شهدتها أسواق الطاقة عقب الحرب في الشرق الأوسط، وهو ما أدى إلى صدمة في أسعار الطاقة استفادت منها شركات النفط الكبرى بصورة واضحة. فقد ارتفعت القيمة السوقية لأكبر ست شركات نفط وغاز بنحو 130 مليار دولار خلال الأسبوعين الأولين فقط من اندلاع الحرب.

تحمل أثمان الحرب
واليوم، يجد ترامب نفسه اليوم أمام معضلة سياسية واقتصادية معقدة، إذ إن ارتفاع أسعار النفط يعزز أرباح الشركات المنتجة، لكنه في الوقت نفسه يزيد الضغوط المعيشية على ملايين الأمريكيين.
وتشير استطلاعات للرأي إلى أن نحو ثلثي الأمريكيين يؤكدون أن ارتفاع أسعار الوقود ألحق ضررًا مباشرًا بميزانيات أسرهم، ودفع كثيرين إلى تقليل استخدام السيارات أو إعادة ترتيب إنفاقهم الشهري. ودفع المستهلك الأمريكي ثمن هذه الزيادة، إذ تشير تقديرات لجنة الاقتصاد المشتركة في مجلس الشيوخ الأمريكي إلى أن الأمريكيين أنفقوا نحو 8.4 مليار دولار إضافية على البنزين خلال الشهر الأول من الحرب، بينما ارتفع متوسط تكلفة ملء خزان شاحنة صغيرة بنحو 145 دولارًا.
وأكد متحدث باسم وزارة العدل أن الإدارة تعتبر ارتفاع أسعار الوقود تحديًا اقتصاديًا وأمنيًا في الوقت نفسه، موضحًا أن متوسط سعر البنزين بلغ حاليًا 3.91 دولار للغالون مقارنة مع 3.22 دولار قبل عام، مشددًا على التزام الإدارة بضمان توفير الطاقة بأسعار مناسبة للمواطنين.
وأكد البيت الأبيض أن الإدارة تتوقع تراجع أسعار النفط والغاز بمجرد استقرار الأوضاع المرتبطة بالأزمة الإيرانية، مشيرًا إلى أن ترامب يمتلك سجلًا سابقًا في خفض أسعار الوقود، وأن الحكومة تواصل العمل لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن الأسر الأمريكية.
رد الشركات
من جانبها، رفضت معظم الشركات النفطية التعليق على تصريحات الرئيس، بينما أوضحت إيمير بونر، المديرة المالية لشركة "شيفرون"، أن شركات النفط تبذل كل ما في وسعها لخفض أسعار الوقود، لكنها شددت على أن تأثير انخفاض أسعار النفط الخام لا يظهر فورًا في محطات الوقود، لأن هناك فجوة زمنية طبيعية بين شراء النفط الخام وإنتاج الوقود وتسويقه.
وأضافت أن الأسعار ستتراجع تدريجيًا مع استمرار استقرار الأسواق وعودة أوضاع الطاقة إلى طبيعتها.
ويشير خبراء الطاقة إلى أن انتقال انخفاض أسعار النفط إلى المستهلك النهائي يستغرق عادة عدة أسابيع، بل قد يمتد إلى أشهر، بسبب تكاليف التكرير والنقل والتوزيع والضرائب والعوامل اللوجستية الأخرى. وأكد معهد البترول الأمريكي أن أسعار البنزين لا تتحرك بصورة متطابقة مع أسعار النفط الخام، خاصة أثناء الاضطرابات العالمية الكبرى، مشددًا على أن شركات الطاقة تشارك الحكومة هدفها في إعادة الاستقرار إلى الأسواق وتخفيف الأعباء عن المستهلكين.
ويُعد هذا الخلاف تحولًا واضحًا مقارنة بالعلاقة الوثيقة التي جمعت ترامب بقطاع النفط خلال حملته الانتخابية، حين دعا كبار التنفيذيين في اجتماع خاص إلى تقديم مليار دولار لدعم حملته مقابل ما وصفه بتخفيف الأعباء التنظيمية والضريبية عن الصناعة في حال عودته إلى السلطة.