«قبو ترامب».. خطر جديد يهدد سوق المعادن
مع بداية عام 2026 أعلن الرئيس ترامب عن مشروع جديد أطلق عليه مشروع القبو، يهدف إلى تخزين بمعدلات هائلة للمعادن النادرة.
وسبق أن قال مسؤول في البيت الأبيض لشبكة سي إن بي سي، إن مبادرة إدارة ترامب الجديدة لتخزين المعادن، والتي أُطلق عليها اسم "مشروع القبو"، تشمل أي معدن صنّفته هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية على أنه "حيوي".
وتُصنّف هيئة تابعة لوزارة الداخلية، أكثر من 50 معدنًا على أنها حيوية، من بينها العناصر الأرضية النادرة والليثيوم واليورانيوم والنحاس، وتُعتبر هذه المعادن "ضرورية للأمن القومي والاستقرار الاقتصادي ومرونة سلاسل التوريد".
وتكتسب هذه المعادن أهمية بالغة لأنها "تدعم الصناعات الرئيسية، وتُحفّز الابتكار التكنولوجي، وتُساند البنية التحتية الحيوية للاقتصاد الأمريكي الحديث"، وفقًا لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.
وكشف الرئيس دونالد ترامب في فبراير/شباط الماضي، عن "مشروع القبو"، وهو شراكة فريدة من نوعها بين القطاعين العام والخاص.
وسيُقدّم بنك التصدير والاستيراد الأمريكي 10 مليارات دولار على شكل قرض، بينما سيُساهم رأس مال خاص بنحو ملياري دولار، وفق سي إن بي سي.
وقال ترامب خلال فعالية أُقيمت في البيت الأبيض، "هذا المشروع يُغطي كل شيء، لا نقتصر على معادن معينة وعناصر أرضية نادرة، بل نغطي كل شيء."
وأفاد رئيس مجلس إدارة بنك التصدير والاستيراد، جون جوفانوفيتش، في بيان، أن شركات تصنيع المعدات، بما فيها جي إي فيرنوفا، وويسترن ديجيتال، وبوينغ، قد أبدت اهتمامها.
وحضرت الرئيسة التنفيذية لشركة جنرال موتورز، ماري بارا، فعالية البيت الأبيض التي كُشف فيها عن المخزون.
مخاطر قلب سوق المعادن الاستراتيجية رأسا على عقب
وفي فبراير/شباط الماضي، وخلال إطلاق "مشروع القبو" في المكتب البيضاوي، صرّح الملياردير روبرت فريدلاند، قطب صناعة التعدين، للرئيس دونالد ترامب بأن مخزون المعادن الأمريكي البالغ 12 مليار دولار سيُحدث نقلة نوعية.
وقال، "أقول لكم نيابةً عن جميع عمال المناجم الذين أعرفهم، إنهم في غاية السعادة بالإنجازات التي تحققت هنا. هذه هي الإدارة الأولى، بدعمكم، التي تمنحنا الأمل".
ومع ذلك، تُبدي بعض شركات التعدين قلقًا خفيًا حيال هذا المشروع، محذرةً من مخاطره المتمثلة في حدوث تشوهات و"تكدس هائل" في أسواق السلع، وفق ما أفادت صحيفة فايننشال تايمز.
وتأتي هذه المخاوف في وقتٍ سلّطت فيه الحرب الإيرانية الضوء على مواطن الضعف في سلاسل إمداد الموارد الطبيعية على نطاق أوسع، وسهولة تأثر هذه الصناعة بالأحداث الجيوسياسية.
وقد أثار هذا الاحتياطي الاستراتيجي للمعادن، وهو الأكبر في الولايات المتحدة للأغراض المدنية، انقسامًا حادًا في أوساط مجتمع التعدين الذي يعتمد عليه.
ويهدف البرنامج، الذي يقوده بنك التصدير والاستيراد الأمريكي، إلى مواجهة هيمنة الصين على سلاسل التوريد من خلال إنشاء مخزون من 60 معدنًا أساسيًا، سيدفع المصنّعون مقابل الحصول عليها.
وسيعمل البرنامج وفق نموذج قائم على الطلب، بناءً على احتياجات المستخدمين النهائيين، مثل شركات صناعة السيارات، وفقًا لمصدر مطلع على الخطط، الذي أضاف أن انضمام المصنّعين إلى "فولت" سيضمن لهم سعرًا محددًا للمعادن عند سحبها من المخزون.
وقال رئيس مجلس إدارة شركة "ويتون بريشوس ميتالز"، راندي سمولوود، إحدى أكبر شركات شراء الذهب والفضة في العالم: "للسوق الحرة أسبابها، ودائمًا ما ينتابني القلق حيال التدخلات".
وأضاف أن برامج التخزين "لا تستند إلى مبادئ اقتصادية سليمة، بل إلى سياسات حمائية. وأرى أن الحكومات غير فعّالة في إدارة هذا الأمر".
وصرح الرئيس التنفيذي لشركة أنتوفاغاستا، إيفان أرياغادا، لصحيفة فايننشال تايمز بأن جهود التخزين "تُحدث بعض التشوهات في السوق"، وهو أمرٌ يتعين على شركة تعدين النحاس التشيلية "دراسته بعناية". وتُعد تشيلي أكبر مُورّد للنحاس إلى الولايات المتحدة.
ومع وصول أسعار النحاس مؤخرًا إلى مستويات قياسية، فإن الطلب الإضافي الناتج عن التخزين قد يدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع.
وأبدى دنكان وانبلاد، الرئيس التنفيذي لشركة أنجلو أمريكان، حذراً مماثلاً، قائلاً: "قد تُؤدي هذه الآليات إلى تراكمات غير مرغوب فيها وتشويه أسواق السلع، لذا من المهم فهم التفاصيل بدقة".
وصرح مسؤول تنفيذي آخر في قطاع التعدين لصحيفة فايننشال تايمز بأن مشروع "القبو" من المرجح أن يرفع الأسعار ويُثير نزعة الاحتكار، وأن السياسات التجارية القومية التي تُعيق التجارة الحرة قد تُؤثر سلباً على التنمية العالمية.
وحذر تجار ومسؤولون تنفيذيون من أن هذا المسعى قد يُدخل الولايات المتحدة في منافسة مباشرة مع دول أخرى على المعادن، لا سيما تلك التي لها أسواق صغيرة مثل الجرمانيوم الذي يُعاني من نقص في المعروض خارج الصين.
توجه عالمي
ولا تنفرد الولايات المتحدة بتخزين المعادن، فقد أعلن الاتحاد الأوروبي وأستراليا، من بين دول أخرى، عن نيتهم بناء احتياطيات وطنية لحماية الصناعات المحلية.
وبينما لا تزال تفاصيل آلية عمل "القبو" شحيحة، فقد انضمت شركات مثل لوكهيد مارتن، وجنرال موتورز، وغوغل التابعة لشركة ألفابت، وشركة كلاريوس لصناعة البطاريات، إلى المشروع، الذي يتطلب دفع رسوم للمشاركة.
وستقوم مجموعات تجارية بشراء المعادن التي سيتم تخزينها في الولايات المتحدة ليستخدمها المصنّعون عند حدوث اضطرابات في الإمدادات أو حالات طوارئ.
وبينما تم إطلاق مخزون دفاعي للأمن القومي عام 1939، "لم يكن لدى الولايات المتحدة مخزون للأمن الاقتصادي قط"، كما صرّحت غرايسلين باسكران، مديرة برنامج أمن المعادن الحيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية.
وأضافت: "يكمن جمال نموذج مشروع القبو في استدامته المالية، حيث تدفع الشركات ثمنه".
وأكدت الحرب الإيرانية على أهمية تأمين سلاسل إمداد المعادن، وأضافت: "لا ينجح مشروع القبو إلا إذا تم تخزين هذه المواد محليًا ويمكن تسليمها بسرعة".
لكن أحد التجار قال إن الشركات المصنّعة ذات العلامات التجارية المعروفة غالبًا ما تجهل المواصفات الدقيقة والمعقدة لكل معدن يحتاجه موردوها، وهي سلسلة إمداد يسعى البعض الآن إلى فهمها بشكل أفضل.
وتشمل الشركات التجارية التي ستشتري هذه المواد، ميركوريا، وتراكسيس، وهارتري بارتنرز، وجلينكور، التي أصبح رئيسها التنفيذي غاري ناغل من أشدّ المؤيدين للمشروع.
وقال في حديث مع الصحفيين، "إنها فرصة عظيمة لنا لمساعدة الحكومة الأمريكية في إنشاء هذا المشروع وتشغيله على نحو جيد، نحن سعداء للغاية بأن نكون جزءاً منه".