بين حرب إيران ونزال UFC.. ترامب يحتفي بعيد ميلاده الـ80 بعقلية المقاتلين
يحتفل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الأحد ببلوغه الثمانين من العمر عبر عرض احتفالي استثنائي كان من الصعب تخيّله في السابق: إقامة نزالات قتال داخل قفص في الساحة الجنوبية الشهيرة للبيت الأبيض.
ويحاول المقاتلون المحاصرون داخل قفص ثماني الأضلاع مصنوع من الشبك المعدني إخضاع خصومهم باللكمات والركلات والضربات العنيفة، في مهرجان بطولة القتال المختلط (UFC).
وسيخرج الرئيس من البيت الأبيض ليجد نفسه محاطاً بأعضاء حكومته وكبار مسؤولي الإدارة ومشرعين جمهوريين وأكثر من أربعة آلاف متفرج يصرخون بحماسة داخل ساحة مؤقتة أُقيمت تحت هيكل معدني ضخم يُعرف باسم «ذا كلو» (The Claw)، يشبه مركبة فضائية ومجهز بأنظمة إضاءة وصوت وشاشات عملاقة. كما سيتابع آلاف آخرون الحدث عبر شاشات كبيرة في منطقة «الإليبس» المجاورة، بحسب صحيفة «أسوشيتد برس».
حدث فريد
وقال رئيس بطولة يو إف سي دانا وايت، وهو صديق مقرب للرئيس، خلال فعالية ترويجية أُقيمت مساء الجمعة عند نصب لنكولن التذكاري: «هذا حدث فريد من نوعه، حدث مذهل. أنا أحبه». وجاء ذلك بينما كان المقاتلون يتدافعون ويتشاجرون أمام عدسات الكاميرات تحت أنظار تمثال أبراهام لينكولن الرخامي الصارمة.
وسعى الرئيس إلى ربط فعالية الأحد – التي تتضمن سبعة نزالات تمتد إلى ما بعد منتصف الليل – بالاحتفالات الأوسع التي تستمر منذ أشهر بمناسبة الذكرى الـ250 لتوقيع إعلان الاستقلال الأمريكي.

لكن الحدث يبدو موجهاً بدرجة أكبر للاحتفاء بشخص ترامب نفسه، إلى درجة أن قمة مجموعة السبع لقادة الدول الصناعية الكبرى أرجأت موعد اجتماعها حتى يتمكن الرئيس من حضور حفل نزالات القفص ثم السفر مباشرة إلى فرنسا للمشاركة في الاجتماعات.
إلا أن الأحوال الجوية قد تفسد جانباً كبيراً من الاحتفال. فقد تسببت عواصف رعدية قوية وصواعق كثيفة في تعطيل فعالية نصب لينكولن التذكاري يوم الجمعة، كما أن توقعات الطقس لمساء الأحد تبدو مقلقة أيضاً.
وقال دانا وايت يوم الجمعة: «لقد سئمت من الحديث عن الطقس»، قبل أن يعترف بأنه يفضل مستقبلاً إقامة فعاليات يو إف سي داخل الصالات المغلقة فقط.
اختلاف جذري
عندما بلغ سلف ترامب، الرئيس السابق جو بايدن، الثمانين من عمره في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، احتفل بمأدبة غداء عائلية خاصة داخل البيت الأبيض، وهو ما يبرز حجم وسرعة التغيير الذي طرأ على المشهد السياسي الأمريكي.
وعند سؤالها عن هذا التباين، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، أليسون شوستر، إن النزالات «ستكون واحدة من أكثر الليالي إمتاعاً في التاريخ الأمريكي»، مؤكدة أن توقيت الحدث مناسب. وأضافت في بيان: «إن إقامة هذا العرض في بيت الشعب خلال يوم العلم وفي أثناء الاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس أمتنا يمثل تكريماً ملائماً».
وعندما بلغ بايدن الثمانين، كان أكبر رئيس في تاريخ الولايات المتحدة، وكان على بعد أشهر من إطلاق حملته لإعادة الانتخاب، وهي الحملة التي تخلى عنها لاحقاً بعد مناظرة كارثية أمام ترامب وتمرد داخل صفوف الديمقراطيين الذين شككوا في قدرته على تحمل أعباء ولاية ثانية.
أما ترامب فقد حل محل بايدن بوصفه أكبر شخص يُنتخب رئيساً للولايات المتحدة. ورغم أن الدستور يمنعه من الترشح مجدداً، فإنه يواصل التلميح علناً إلى هذه الفكرة بين الحين والآخر. ويأتي ذلك في ظل استطلاعات رأي تُظهر تصاعد الشكوك بشأن حالته الذهنية والبدنية، على غرار المخاوف التي واجهت بايدن عند بلوغه الثمانين.

وأظهر استطلاع أجرته صحيفة «ذا واشنطن بوست»، في أبريل/نيسان، أن أقل من نصف الأمريكيين البالغين يعتقدون أن ترامب يتمتع بالحدة الذهنية أو الصحة البدنية الكافية لأداء مهام الرئاسة بفاعلية.
ورد البيت الأبيض بنشر بيان مطول من طبيب ترامب السابق والنائب الجمهوري عن ولاية تكساس روني جاكسون، قال فيه إن «قدرة ترامب على التحمل وتركيزه وقوته استثنائية وتظهر يومياً، وأي ادعاءات بخلاف ذلك هي محض خيال». وأضاف أن المخاوف التي تعكسها الاستطلاعات «تروج لها وسائل إعلام متحيزة وليبرالية ومعادية لترامب، وهي ذاتها التي تجاهلت تماماً الكارثة الذهنية والبدنية المطلقة التي كان يمثلها الرئيس بايدن».
ورغم ذلك، خضع ترامب خلال ولايته الحالية وحدها لأربع فحوصات طبية أُعلن عنها علناً، وكان آخرها عندما أكد طبيب البيت الأبيض الدكتور شون باربابيلا أنه يتمتع بـ«صحة ممتازة».
المواجهة والصدام
يمثل حدث «يو إف سي»، استعارة مناسبة لأسلوب ترامب السياسي القائم على المواجهة والصدام. فهو معجب بسياسة «القتال داخل القفص» بقدر إعجابه برياضة القتال نفسها.
لكن ترامب عُرف أيضاً منذ فترة طويلة بقدرته على تحويل الأنظار سياسياً، إذ يتعمد أحياناً تقديم حدث أو قضية أخرى للرأي العام للتركيز عليها عندما لا تسير الأمور بشكل جيد بالنسبة لرئاسته.
فمع استمرار الحرب في إيران رغم أسابيع من تأكيدات ترامب بأن نهايتها باتت وشيكة، واستمرار ارتفاع أسعار الوقود، وتجدد المخاوف من التضخم، وتراجع معدلات تأييده الشعبي، فإن إقامة حفلة عيد ميلاد في البيت الأبيض على نحو غير مسبوق في التاريخ الأمريكي «تبدو وسيلة فعالة لصرف الانتباه»، بحسب «أسوشيتد برس».
ومشبهاً الحدث بألعاب المصارعين في روما الإمبراطورية، حين كان المقاتلون يتبادلون العنف من أجل الترفيه الجماهيري وتعزيز شعبية الحكام واحتواء أي اضطرابات محتملة، قال مايك فونتين، أستاذ الدراسات الكلاسيكية في جامعة كورنيل: «هذه استراتيجية كلاسيكية. في روما القديمة».

ويقول ترامب إن «يو إف سي»، هي التي تتكفل بتمويل الحدث، ورغم عدم الكشف الكامل عن تكاليفه، فإن هيئة المتنزهات الوطنية الأمريكية ذكرت في ملف قضائي أن أكثر من 60 مليون دولار وعشرات الآلاف من ساعات العمل أُنفقت على تنظيمه، بينما خصصت سبع وكالات حكومية «موارد وقوى بشرية كبيرة» لإنجازه.
كما أعلنت «يو إف سي»، يوم الجمعة إضافة شركة «وورلد ليبرتي فاينانشال» كشريك رسمي للفعالية لإنشاء صندوق مكافآت خاصة بقيمة 250 ألف دولار للفائزين في نزالات الأحد. والشركة المتخصصة في العملات المشفرة مملوكة جزئياً لعائلة ترامب، وقد أُسست بالشراكة مع المبعوث الدبلوماسي الخاص للرئيس ستيف ويتكوف، ويتولى إدارتها ابنه زاك.

ويرى فونتين أن ميل ترامب في ولايته الثانية إلى إبراز صورة «الرجولة الصلبة والقوة البدنية» يجمع بين طابع رياضة «يو إف سي» القتالي، وروح الدعابة والاستعراض التي اشتهر بها الرئيس.
وختم قائلاً: «يمتلك الرئيس ترامب موهبة استثنائية في هذا النوع من العروض، موهبة لا تتكرر إلا مرة واحدة في كل جيل».