مخطط التنمية التونسي 2026-2030.. رهان النمو يواجه عقبة التمويل
بمستهدفات نمو تبلغ 4.2% واستثمارات تتجاوز 102 مليار دينار، تراهن تونس على مخطط التنمية 2026-2030 لإنعاش الاقتصاد وتقليص الفوارق التنموية.
صدّق برلمان تونس، يوم الجمعة، على مشروع قانون مخطط التنمية للفترة 2026-2030، والذي يمثل وثيقة توجيهية لرسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية لتونس خلال السنوات القادمة.
ويعد المخطط الخماسي أول وثيقة تنموية تعتمدها الدولة وفق المنهج الجديد الذي انطلق من المقترحات الصادرة عن المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم، قبل تجميعها وصياغتها في وثيقة وطنية شاملة من وزارة الاقتصاد والتخطيط.
وتراهن الحكومة على أن يشكل المخطط خريطة طريق للسياسات الاقتصادية والاجتماعية خلال الفترة 2026-2030، بهدف رفع نسق النمو وتحفيز الاستثمار وتقليص الفوارق بين الجهات وتحسين مؤشرات التشغيل والخدمات الأساسية.
ويرتكز المخطط على تعبئة استثمارات تناهز 102 مليار دينار (نحو 35 مليار دولار) خلال خمس سنوات، مع استهداف تحقيق معدل نمو اقتصادي سنوي يبلغ 4.2%.
ووفقًا لوثيقة المخطط، يهدف المشروع إلى إرساء نموذج اقتصادي أكثر مرونة، وتحقيق ديمقراطية اقتصادية تضمن التوزيع العادل للثروات، إلى جانب الارتقاء بنسق النمو من خلال دعم القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، وفي مقدمتها الفلاحة، والصناعات المعملية، وقطاع الفوسفات.
كما يستهدف المخطط توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتعزيز تكافؤ الفرص في النفاذ إلى التعليم، والصحة، وفرص العمل اللائق، فضلا عن توجيه الاستثمارات نحو المناطق الأقل تنمية للحد من الفوارق، وتعزيز قدرة الاقتصاد التونسي على مواجهة الصدمات الدولية وتقلبات سلاسل التوريد، والتوجه نحو اقتصاد متعدد الأقطاب.
من جهته، أكد وزير الاقتصاد التونسي سمير عبدالحفيظ، أن مشروع مخطط التنمية 2026-2030 "ليس نصا مقدسا، بل يظل قابلا للتحيين وفق المتغيرات الدولية"، مشددا على أنه "يمثل إطارا استراتيجيا واقعيا وقابلا للتنفيذ وليس مجرد إعلان للنوايا".
وأوضح عبدالحفيظ، خلال انعقاد الجلسة العامة المخصصة للمصادقة على مشروع مخطط التنمية 2026-2030 بمجلس البرلمان الجمعة، أن اعتماد منهج التخطيط التصاعدي لا يعني إدراج جميع المشاريع المقترحة بصفة آلية، مبينا أن مختلف المقترحات خضعت إلى التقييم والترتيب وفق معايير تتعلق بمساهمتها في تحقيق أهداف التنمية، وأثرها الاقتصادي والاجتماعي، ومدى جاهزيتها وقابليتها للإنجاز.
وأضاف أن وزارة الإقتصاد والتخطيط نسقت مع وزارة المالية لضمان اتساق المخطط مع التوازنات المالية للدولة، وتحقيق التوفيق بين الطموح التنموي ومتطلبات الاستدامة المالية، بما يجعل منه إطارا استراتيجيا قابلا للتنفيذ.
وأشار الوزير في السياق ذاته إلى أن إنجاح مخطط التنمية 2026-2030 يمثل مسؤولية وطنية مشتركة، داعيا مختلف الأطراف إلى المساهمة في تحويل أهدافه إلى إنجازات ملموسة تجسد العدالة وتكافؤ الفرص وتستجيب لتطلعات المواطنين في مختلف الجهات.
ولفت إلى أن المخطط يعد الأول الذي يتم إعداده في ظل دستور 25 يوليو 2022، الذي أرسى مقاربة جديدة للتخطيط التنموي تقوم على البناء القاعدي، بما يعزز مشاركة المواطنين في تحديد الأولويات عبر المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم.
وقد شهدت جلسة المصادقة تفاعلا من قبل النواب بشأن تمويل مشاريع مخطط التنمية.
مخطط بعيد عن أرض الواقع
وقال النائب بمجلس نواب الشعب عصام شوشان إن النواب لم يشاركوا في إعداد مخطط التنمية أو تقديم مقترحات بشأنه نظرا إلى أن الدستور لا يتيح للبرلمان المساهمة في صياغة هذا النوع من المخططات.
وانتقد شوشان الفرضيات التي استند إليها المخطط، معتبرا أنها تفتقر إلى الانسجام مع الإمكانيات المتاحة للدولة.
وأفاد بأن وجود فجوة بين حجم المشاريع المقترحة، والتوجهات الحالية للدولة، والموارد المالية والبشرية اللازمة لتنفيذها.
كما أعرب عن تخوفه من تكرار سيناريوهات شهدتها قوانين المالية السابقة، التي بُنيت على فرضيات يصعب تجسيدها على أرض الواقع.
نقلة نوعية
من جهة أخرى، أكد الخبير الاقتصادي التونسي رابح بوراوي لـ"العين الإخبارية" أن مخطط التنمية (2026-2030) في تونس يمثل ركيزة أساسية للتحول الاقتصادي، من أجل بناء اقتصاد رقمي متكامل وضرورة الحفاظ على القدرة المالية للدولة لضمان تنفيذ المشاريع.
وأكد أن تحقيق نسبة تتجاوز 50% من أهدافه سيحدث نقلة نوعية في حياة المواطن، مشيرا إلى أن المقاربة التشاركية الجديدة ستساعد في الحصول على تمويلات خارجية طويلة المدى.
وأوضح أن الفرضيات والتوازنات المالية التي بُني عليها المخطط قد تحتاج إلى مراجعة مستمرة لتواكب التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية السريعة في المنطقة والعالم.
وأشار إلى أن تونس تعتمد في تمويل مشاريع مخطط التنمية البالغ استثماراتها الجملية حوالي 101.8 مليار دينار لتنفيذ 21 ألفاً و100 مشروع وبرنامج عمومي على تنويع ثلاثة مصادر تمويل رئيسية لتخفيف الضغط على التوازنات المالية العامة من خلال الموارد الذاتية للدولة واستقطاب التمويلات الخارجية .
وتعول سلطات تونس على توفير أكثر من 90% من قيمة هذه الاستثمارات المبرمجة في مخطط التنمية الجديد من الموارد العامة، مقابل مشاركة محدودة للغاية من القطاع الخاص.