اقتصاد الظل في تونس.. إمبراطورية تبتلع 12 مليار دينار سنويا
لم يعد الاقتصاد الموازي في تونس مجرد نشاط غير رسمي، بل تحول إلى قوة اقتصادية تنافس الدولة نفسها، وتستنزف الإيرادات العامة، وتزيد الاعتماد على النقد، في تحدٍ يهدد الاستقرار المالي.
يُقدر حجم الاقتصاد الموازي في تونس بنحو 40% من إجمالي النشاط الاقتصادي، ما يجعله أحد أكبر التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد الوطني، في ظل استحواذه على جزء كبير من التجارة والسيولة النقدية خارج القنوات الرسمية.
ولا تقتصر تداعيات هذا القطاع على حرمان الدولة من إيرادات ضريبية ضخمة تُقدر بنحو 12 مليار دينار سنويا، بل تمتد إلى إضعاف المؤسسات القانونية نتيجة غياب المنافسة العادلة، وتعزيز التهرب الضريبي، وزيادة الاعتماد على التعاملات النقدية خارج المنظومة المصرفية.
وتسعى الحكومة، ضمن مخطط التنمية 2026-2030، إلى تقليص حجم الاقتصاد الموازي عبر حزمة من الإجراءات، تشمل توسيع القاعدة الضريبية، وتعميم استخدام الرقم التعريفي الجبائي، وتشجيع المعاملات البنكية، وتشديد الرقابة، بهدف دمج القطاع غير المنظم تدريجيًا في الاقتصاد الرسمي والحد من التهرب الضريبي.
ويرى خبراء اقتصاد أن اتساع الاقتصاد الموازي لا يقتصر أثره على انخفاض الحصيلة الضريبية، بل يؤدي أيضا إلى تضخم حجم السيولة المتداولة خارج الجهاز المصرفي، وهو ما يضعف كفاءة السياسة النقدية ويزيد الضغوط على البنوك.
ضغوط على النظام المالي
وأظهرت بيانات البنك المركزي التونسي أن حجم النقد المتداول بلغ مستوى قياسيا غير مسبوق عند 29 مليار دينار (نحو 9.62 مليار دولار)، في مؤشر يعكس تزايد الاعتماد على الدفع النقدي، وما يترتب عليه من ضغوط على النظام المالي والمصرفي.
وقال أستاذ الاقتصاد التونسي معز المانسي، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن الاقتصاد الموازي يمثل نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يؤدي إلى تآكل القاعدة الضريبية واتساع الفجوة بين الإيرادات الفعلية والإيرادات التي يمكن للدولة تحصيلها.
وأوضح أن هذا القطاع يحرم الدولة من موارد مالية كان من الممكن توجيهها إلى تمويل الخدمات العامة، مشيرا إلى أن ضعف التحصيل الضريبي الناتج عن التهرب وقصور الرقابة يفرض ضغوطا إضافية على الموازنة العامة، ويزيد الاعتماد على الاقتراض، بما يرفع مستويات الدين العام ويحد من قدرة الدولة على تمويل الاستثمارات في القطاعات الحيوية.
وأضاف أن مخطط التنمية 2026-2030 يضع إدماج الاقتصاد الموازي ضمن أولوياته، مستهدفا دمج أكثر من 50% من القطاع غير المنظم في الاقتصاد الرسمي بحلول عام 2030.
وأشار إلى أن المخطط يستند إلى رؤية اقتصادية واجتماعية جديدة تستهدف تعزيز الاستدامة المالية للدولة، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتقليص التهرب الضريبي من خلال دمج الأنشطة غير الرسمية في المنظومة القانونية.
وكان البرلمان التونسي قد بدأ، الثلاثاء، مناقشة مشروع مخطط التنمية 2026-2030، في خطوة تُعد محطة رئيسية لتحديد التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد خلال السنوات الخمس المقبلة.
النقد المتداول
من جانبه، قال الخبير المحاسبة في تونس، أنيس بن عبد الله، إن قيمة الأوراق النقدية والعملات المتداولة خارج الجهاز المصرفي تجاوزت 29 مليار دينار، بزيادة بلغت 18% منذ فبراير/شباط الماضي، وهو تطور يعكس اتساع الاقتصاد غير المنظم وتراجع الاعتماد على وسائل الدفع التقليدية.
وأوضح أن من أبرز أسباب هذه الزيادة التوسع المستمر في الاقتصاد الموازي، الذي يعتمد بصورة رئيسية على المعاملات النقدية، إلى جانب تراجع استخدام الشيكات بعد دخول القانون الجديد المنظم لها حيز التنفيذ، ما دفع عددا متزايدا من التجار والمؤسسات إلى تفضيل الدفع النقدي.
وأضاف أن أكثر من 60% من التونسيين لا يمتلكون حسابات مصرفية، وهو ما يفسر استمرار الاعتماد الكبير على السيولة النقدية في المعاملات اليومية.
وأكد أن استمرار خروج الأموال من الدورة المصرفية يحرم البنوك من جزء مهم من الودائع، ويحد من قدرتها على تمويل الاقتصاد، كما يزيد اعتمادها على إعادة التمويل من البنك المركزي، فضلًا عن توسيع نطاق التهرب الضريبي.
وتشير التقديرات إلى أن عدد العاملين في الاقتصاد الموازي في تونس يبلغ نحو 1.6 مليون شخص، أي ما يعادل ما بين 44.8% و50% من إجمالي القوى العاملة، في حين يقدر عدد العاملين في الاقتصاد المنظم بنحو 2 إلى 2.05 مليون عامل، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء.
ويؤكد هذا الواقع أن نجاح تونس في تقليص الاقتصاد الموازي لن يقتصر على تعزيز الإيرادات الضريبية، بل سيشكل ركيزة أساسية لتحسين كفاءة الاقتصاد، وتعزيز الاستقرار المالي، وزيادة قدرة الدولة على تمويل التنمية خلال السنوات المقبلة.