سياسة

الحملة الانتخابية لإخوان تونس.. سماسرة الذمم

الخميس 2018.5.3 10:53 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 760قراءة
  • 0 تعليق
راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإخوانية في تونس - صورة من رويترز

راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة الإخوانية في تونس - صورة من رويترز

في قرية جبلية نائية جنوبي تونس، احتشد جمع غفير من الناس حول سيارة رباعية الدفع اعتلى الغبار جميع جوانبها، ورجلين يقفان عند أبوابها الأمامية المفتوحة على مصراعيها، يوزعان علبا كرتونية ضخمة الحجم.

تدافعت الوجوة المسمرة، وارتفعت أيادي من لم يتمكن منهم من الاقتراب من الرجلين، تطلب نصيبها قبل أن يجيبه أحدهما بنظرة ثاقبة تحول الأصوات الصاخبة إلى تمتمات.. لم تكن العلب الكرتونية تحمل أي كتابة تدل على مصدرها، غير أنه بانتهاء عملية توزيعها على القرويين الفقراء، رفع أحد الرجلين يده في إشارة إلى أنه يطلب من الحضور الإنصات لما سيقوله، قبل أن يسألهم إن كانوا يعرفون أن عليهم الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات المقررة هذا الأحد.. همهم الحشد بصوت واحد أن نعم، فبدأ الرجل الثاني بسؤال الواقفين بالقرب منه لمن سيصوتون؟

وبمجرد أن سمع اسم عدد من الأحزاب الليبرالية واليسارية حتى انتفض غاضبا، مدعيا أن تلك الأحزاب لن تخدم مناطقهم ولن تساعدهم، قبل أن يدعوهم أخيرا للتصويت لحركة «النهضة» الإخوانية.

شراء أصوات الفقراء

معضلة شراء أصوات الناخبين من قبل "حركة النهضة" الإخوانية تعتبر من المحن التي يعرف التونسيون تفاصيلها جيدا.. فالحركة تعول بشكل كبير على هذه «التجارة» لتأمين رصيدها الانتخابي، وتستهدف بالخصوص الفقراء والمهمشين، فتسرق أحلامهم، وتغرقهم بوعود لن تتحقق يوما. 

فصول مشابهة لما يحدث مع اقتراب كل استحقاق انتخابي شهدته تونس بعد 2011، وعادة ما تسبق حتى حملات المرشحين، تستثمر من خلالها الحركة الإخوانية بساطة سكان القرى وفقرهم، وفاقة الأحياء الشعبية، لتشتري ذممهم.. وغالبا ما تستهدف الحركة مناطق الجنوب الشرقي وجزءا من الجنوب الغربي والوسط، إضافة للأحياء الشعبية بالعاصمة، حيث ترتفع معدلات البطالة والفقر.

 أما سيناريوهات شراء الأصوات، فتختلف بحسب المنطقة، وفق شهادات يتناقلها السكان.. ففي مناطق الجنوب الشرقي، تقدم للعائلات سلة يسميها التونسيون بـ«القفة»، تضم مواد غذائية، بينها زيت زيتون والسكر وبعض المعجنات، تحت عنوان الإحسان الكاذب.

ومن منطلق معرفتها بمتانة الروابط الأسرية في تلك المناطق، تختار الحركة الإخوانية عائلة معينة، وتعد بتعيين أحد أفرادها في وظيفة حكومية، لتربح بذلك تعاطف جميع أقارب العائلة وأصواتهم.

أما في مناطق الجنوب الغربي، حيث يحلم معظم الشباب بالعمل في شركة الفوسفات الحكومية، فترصف الحركة نياشينا من الوعود بتوظيف المئات حال فوزها بالاقتراع.. كما تختار أحد المرضى، وتتكفل بمداواته في استعراض مجاني يجعل عائلته وأقاربه مجبرين على «رد الجميل» ومنح أصواتها للحركة الإخوانية.

انتخابات 2104 

فوز حزب «نداء تونس» ذي التوجه العلماني، في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقامة عام 2014، أحبط آمال إخوان تونس بتجريد الدولة من مدنيتها، وتغليفها بعباءة الظلامية التي يدعون إليها.. لكن تلك الخيبة سبقتها فضائح بالجملة هزت الحركة، وأخرجت للعلن ما تقوم به في الخفاء لشراء ذمم الناخبين.

ويعتبر نشطاء تونسيون أن ذلك الاقتراع أسقط بالكاشف القناع عن الحركة، وفضح عجزها عن الحشد بالطرق المتعارف عليها، وهي الحزب القائم على إيديولوجيا بعيدة كل البعد عن الاعتدال الذي عرف به التونسيون.

مواقع التواصل سرعان ما ضجت، حينها، بأمثلة استعرضها تونسيون وتناقلها الإعلام المحلي والعالمي، منها شهادات سكان أحياء شعبية أكدوا أن حركة النهضة دفعت إيجار مساكنهم لمدة 7 أشهر كاملة في إطار حملتها الانتخابية.. والغريب أن الحركة «أجبرتهم قبل ذلك على القسم على القرآن الكريم، بأن يصوتوا لها حتى لا تذهب أموالها سدى»، وفق تقارير إعلامية.

 كما قدمت الحركة بطاقات علاج قالت إنها مجانية لعدد من السكان، وقدمت لآخرين كراسي متحركة، مقابل حصولها على وعود بالتصويت لها.. والأسوأ من كل ذلك أن الأمر بلغ حد عرض الحركة مبلغ 30 دينارا على كل من يقدم صوته لها.

 ويقول مطلعون إنها حشدت لذلك فرقا شعبية تمركزت في العديد من مكاتب الاقتراع، كان أعضاؤها يتعمدون الاختلاط بالناخبين بتعلة إرشادهم، ولكنهم في الواقع كانوا يعرضون المال مقابل الصوت، وهذا ما رصدته مراسلة العين الإخبارية بنفسها حين كانت تغطي الاقتراع في «حي التضامن» بالعاصمة.

تجاوزات خطيرة دفعت بـ«الجمعية التونسية من أجل نزاهة الانتخابات وديمقراطيتها» (عتيد)، إلى إطلاق ومضة إشهارية، بعنوان «تونسي ما نتشراش» أي «تونسي ولا أحد يشتري صوتي»، وقد بثت الومضة العديد من القنوات التلفزيونية التونسية، وأخرجت ممارسات الحركة الإخوانية إلى واجهة الجدل.

(البرلمان المؤقت) في 2011

وفي انتخابات «المجلس الوطني التأسيسي» (البرلمان المؤقت)، في 2011، كان العنوان الأبرز للاقتراع هو شراء الأصوات من قبل الحركة، تحت مسميات مؤثرة من قبيل المساعدات والهبات.

وخلال حملتها الانتخابية، تهافتت حركة "النهضة" على تقديم المساعدات المالية للعائلات الفقيرة، كما نظمت حفلات زواج جماعية لعدد من الشباب.. كما أطلقت أيضا حملة ختان لعدد من أبناء الفقراء في العديد من مدن البلاد، وتكفلت بخلاص فواتير العديد من العائلات سواء المتعلقة بالكهرباء أو غيره.

وفي بعض المناطق، قدمت المستلزمات المدرسية لعدد من الطلاب، ولأسرهم مبالغ مالية متفاوتة، فيما قدمت في بعض القرى الماعز والخرفان والأبقار.. عناوين مختلفة تتخذها الحركة الإخوانية ستارا لممارسات تستغل الأوضاع الاجتماعية المتردية لبعض السكان، من أجل الحصول على أصواتهم وأحلامهم، قبل أن تتنكر لهم.

تجار وسماسرة يجوبون أرجاء تونس كلما دقت ساعة استحقاق مصيري، لاشتراء ذمم الناس، ليبيعوها من الغد لمن يدفع أكثر، لتتحول الحملة الانتخابية لدى "إخوان تونس" إلى فرصة للتلاعب بالناس، والتحيل عليهم، وتزوير الحقائق، طمعا في مناصب يستثمرونها في تحويل البلاد إلى مرتع للظلامية.

تعليقات