موجة الحر تفضح هشاشة شبكات المياه في تونس.. انقطاعات متكررة وأزمة تتفاقم
تشهد تونس ضغوطًا غير مسبوقة على قطاع المياه بالتزامن مع موجة حر قياسية تجاوزت خلالها درجات الحرارة 45 درجة مئوية في عدة مناطق، ما تسبب في انقطاعات متكررة لمياه الشرب.
انقطاع المياه في تونس أعاد إلى الواجهة تحديات البنية التحتية المتهالكة، واعتماد محطات الضخ على الكهرباء، في وقت تتسارع فيه الدعوات إلى حلول عاجلة لضمان استمرارية التزود بالمياه.

وتأتي هذه الانقطاعات في وقت تشهد فيه تونس موجة حر غير مسبوقة، تجاوزت خلالها درجات الحرارة 45 درجة مئوية في عدد من المناطق، فيما سجلت محافظة القيروان 49.7 درجة مئوية، وهو أعلى مستوى يُسجل في البلاد خلال شهر يوليو/تموز.

وتزامنت موجة الحر مع ارتفاع ملحوظ في عدد الحرائق، وزيادة الضغط على شبكتي الكهرباء والمياه، وهي أوضاع وصفها الرئيس التونسي قيس سعيّد، الخميس، بأنها "ظواهر غير عادية"، مؤكداً أن الدولة "لن تقف مكتوفة الأيدي" أمام من يسعى إلى التنكيل بالمواطنين وتأجيج الأوضاع.

وفي مسعى لتوفير المياه الصالحة للشرب، تدخلت وحدات من الجيش الوطني، الخميس، لتأمين مياه الشرب للمواطنين في المناطق النائية التي شهدت انقطاعات طويلة في التزود بالمياه بمختلف أنحاء البلاد.
وتم توفير صهاريج مياه لتزويد السكان في مختلف الجهات باحتياجاتهم من المياه، في ظل موجة الحر المتواصلة منذ نحو أسبوعين.

من جهته، أرجع المدير المحلي للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه بتونس الكبرى، منير الدريدي، أسباب انقطاع المياه إلى جملة من العوامل الفنية والظرفية، في مقدمتها الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي.
وأوضح الدريدي، في تصريحات إعلامية، أن انقطاعات المياه تنقسم إلى ثلاثة أصناف: انقطاعات مبرمجة تفرضها أشغال صيانة الشبكات ويُعلن عنها مسبقاً، وانقطاعات فجائية ناجمة عن كسور في القنوات تستوجب التدخل العاجل وإيقاف التزويد، إضافة إلى انقطاعات مرتبطة بعمليات القطع الدوري للكهرباء التي تؤثر في محطات ضخ المياه.

وبيّن أن الجزء الأكبر من الانقطاعات التي شهدتها الفترة الأخيرة يعود إلى انقطاع الكهرباء، باعتبار أن توقف التيار يؤدي إلى توقف محطات الضخ، وهو ما يتطلب وقتاً لاستعادة نسق التزويد الطبيعي بعد عودة الكهرباء.
وأشار إلى أن الشبكة تواجه أيضاً ضغطاً كبيراً خلال فترات الذروة، خاصة في حدود الساعة الواحدة ظهراً والسابعة مساءً بالتويت المحلي، حيث يرتفع استهلاك المياه بنحو 150% مقارنة بالأوقات العادية، وهو ما قد يتسبب في اضطرابات مؤقتة في التوزيع.

مشكلة شبكة توزيع المياه
كما أكد الدريدي أن جزءاً مهماً من شبكة توزيع المياه أصبح متقادماً، إذ يتجاوز عمر بعض القنوات 70 عاماً، ما يزيد من احتمالات حدوث الكسور والتسربات. وأوضح أن الشركة تنفذ برنامجاً دورياً لتجديد وصيانة الشبكات يشمل نحو ألفي كيلومتر سنوياً.

وأضاف أن مصالح الشركة تسجل، في المعدل، نحو 70 كسراً يومياً في القنوات، إلى جانب نحو 200 ألف تسرب للمياه سنوياً، ما يجعل مردودية شبكة التوزيع في حدود 75%، مقابل فقدان نحو 25% من المياه بسبب التسربات والكسور، وهو ما يبرز أهمية مواصلة برامج الصيانة والتجديد لتحسين جودة الخدمات والحد من فاقد المياه.

من جانبه، أكد الخبير في الشأن الفلاحي محمد الرويسي، لـ"العين الإخبارية"، أن الارتفاع الكبير في درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة انقطاعات التيار الكهربائي، وهو ما ينعكس مباشرة على انتظام التزود بالمياه.
وأوضح أن محطات ضخ المياه التابعة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه تفتقر إلى مولدات كهربائية احتياطية تضمن استمرار عمليات الضخ خلال فترات انقطاع الكهرباء.

أزمة كهرباء
وأضاف أن انقطاع التيار الكهربائي يؤدي إلى توقف محطات الضخ، مشيراً إلى أن الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه تعتمد على نحو 1500 محطة ضخ تعمل بالكهرباء، إلى جانب 1200 بئر عميقة تعتمد كلياً على الطاقة الكهربائية.
من جهته، أوضح الخبير في تنمية الموارد المائية حسن الرحيلي لـ"العين الإخبارية"، أن تزامن انقطاع المياه والكهرباء يعود إلى توقف عمل محطات الضخ المعتمدة على الطاقة الكهربائية.

وأشار إلى أن الأزمة الهيكلية التي تعاني منها الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه ليست ظرفية، وإنما تتطلب حلولاً عاجلة ومستدامة.
وقال إن الشركة غير مجهزة بمولدات كهربائية احتياطية تضمن استمرار تشغيل محطات الضخ عند انقطاع التيار الكهربائي، وهو ما يؤدي مباشرة إلى توقف إمدادات المياه.

وشدد على ضرورة ضمان استمرارية ضخ المياه عبر الاستثمار في مصادر طاقة بديلة للكهرباء، بما يضمن استمرار عمل محطات الضخ في جميع الظروف، ولا سيما خلال موجات الحر.
وكشف حسن الرحيلي أن نسبة فاقد المياه في شبكات مياه الشرب تتراوح بين 20% و25%، معتبراً أن هذه النسبة مرتفعة للغاية، وتمثل هدراً كبيراً للموارد المائية، الأمر الذي يستوجب الإسراع في تحديث الشبكات وتعزيز كفاءة منظومة التوزيع.