سياسة

هل يعود النظام السوري إلى عفرين؟

الإثنين 2018.1.29 09:35 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 3153قراءة
  • 0 تعليق
د. سمير صالحة

اتهم النظام السوري أنقرة بالتوغل داخل الأراضي السورية دون موافقته ورضاه، داعياً لانسحاب فوري للقوات التركية، وما لم يفعله النظام هو التحرك على المستويين الدولي والأممي لرفض هذه العملية، وتجنب تشغيل بطاريات صواريخه للرد على الغارات الجوية التركية فوق أراضيه.. هل هو عجز عسكري من قِبل النظام أم هي خطوة تندرج في إطار تفاهمات روسية سورية سبقتها تفاهمات تركية روسية حول كل هذه التفاصيل؟ .

هل من المحتمل أن يكون وراء كل هذا التوتر والتصعيد التركي الأمريكي في سوريا اكتشاف واشنطن لخطة التقارب بين أنقرة ودمشق برعاية روسية إيرانية؛ قد تكون على حسابها وحساب حليفها الكردي في سوريا؟.

الإجابة اختصرها المشهدان العسكري والسياسي في عملية "درع الفرات"، التي أبقت النظام بعيداً عن الاحتكاك بالقوات التركية، رغم مئات الأمتار فقط تفصل بين الجبهات، هو إذاً وبقرار روسي – إيراني لن يعرقل عملية "غصن الزيتون" حتى إشعار آخر.. تعطيل "الكوريدور" الكردي في شمال سوريا مصلحة مشتركة تجمع النظام وأنقرة وموسكو وطهران ربما.

تقدم القوات التركية نحو "منبج" مسألة مختلفة تماماً عما يجري في عفرين، فالقوات الأمريكية هي التي ستكون بانتظار الحليف التركي، وهي لن تستجيب للمطالب التركية بالانسحاب كما يبدو.. واشنطن لن تدخل في عملية مقايضة هناك، لأنها ستخسر حليفها الكردي أولاً، وستخسر منطقة استراتيجية مهمة دخلتها بصعوبة قبل عام، ثانياً.

على جبهة أخرى، ترفض القيادات في حزب العدالة والتنمية أنباء التواصل والتنسيق مع النظام في سوريا، لكن بعيداً عن الأعين هناك الكثير من الأدلة والوقائع التي تؤكد أن أنقرة ماضية بشكل تدريجي باتجاه تغيير مواقفها المتشددة حيال دمشق، وأن مفاجآت كثيرة ستحدث في الأيام القليلة المقبلة.

- يصرُّ دوغو برينشاك القيادي السياسي التركي المعارض ورئيس حزب "وطن" على أن كبار الضباط المتقاعدين في المؤسسة العسكرية يدعون إلى التنسيق مع النظام السوري إذا ما كانت تركيا تريد الخروج من الورطة التي وضعت نفسها فيها هناك.

ويردد برينشاك، الذي زار حزبه العاصمة السورية أكثر من مرة ويتبنى موقفاً مختلفاً عن مواقف حزب العدالة والتنمية في طريقة التعامل مع ملف الأزمة السورية، أنه على استعداد للقيام بدور ساعي البريد إذا ما طُلب منه ذلك، وأنه على الرغم من رفض الحكومة التركية في العلن الجلوس أمام طاولة محادثات واحدة مع النظام؛ فإنه الخيار الأفضل لإنجاز عملية "غصن الزيتون"، وقطع الطريق على مشروع الشريط الكردي بين القامشلي ونافذة تشرف على البحر الأبيض المتوسط.

- أصوات مشابهة في المعارضة التركية تدعو أيضاً العقلاء في السلطة السياسية لعدم التصلب والتعنت في مواقفهم حيال نظام بشار الأسد، والتمسك بالمواقف المعلنة منه مع انطلاق الثورة في سوريا، فتركيا تحتاج اليوم إلى "عقل الدولة" وسياسة واقعية جديدة في التعامل مع ملف الأزمة السورية.

- يقول رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم، الذي سبق وأطلق رسائل انفتاحية حول ضرورة قبول النظام السوري طرفاً في التسوية، إن أي تصور للحل في سيناريو يتجاهل النظام ودوره سيصل إلى طريق مسدود، النظام هو حقيقة موجودة في سوريا واستبعاده من المفاوضات يعني استمرار الفوضى في البلاد.

- تقدم قوات النظام نحو إدلب في الأسابيع الأخيرة وما أعقبه من تحرك عسكري تركي باتجاه عفرين، يعكس حقيقة وجود تفاهمات أوسع حول شمال سوريا، قد تكون منفتحة على أكثر من احتمال.

الجيش السوري كان وما زال جاهزاً للدخول إلى عفرين في إطار مساومة عبر الوسيط الروسي مع تركيا، لكن قوات سوريا الديمقراطية هي التي عرقلت هذه الصيغة من التسويات.. احتمال آخر هو أن تكون موسكو أقنعت تركيا بوضع عملية عفرين ومنطقة تل رفعت في سلة الصفقة الكبرى المرتبطة بتوسيع رقعة مناطق خفض التوتر واجتماعات سوتشي وقرارات اجتماع الأستانة المقبل.

- إعلان واشنطن باكراً أن مناطق العمليات العسكرية التركية في عفرين خارج نطاق عمل قوات التحالف الدولي في الحرب على داعش، رسالة أمريكية لأنقرة وموسكو على السواء بأن الإدارة الأمريكية لن تتخلى عن حليفها المحلي في منبج وشرق الفرات، وستكون سياستها وطريقة تعاملها مع المسألة هناك مختلفة تماماً عن موضوع عفرين، وأن التصعيد السياسي والدبلوماسي التركي ضد واشنطن لن يسمح بتحويله إلى تحدٍ عسكري لها في مناطق العمليات المشتركة مع حليفها الكردي.

- مفاجأة واشنطن قد تكون عندما تعلن أنها لن تتراجع عن خطة الجيش الحدودي بغالبية كردية، وأنها لن تسمح لأي كان بتعطيلها والتدخل فيها، خصوصاً في الشق الجغرافي الذي يقع مباشرة تحت نفوذها في شمال شرق وشرق سوريا.

كان واضحاً منذ البداية أن التفاهمات التركية الروسية في إدلب سيعقبها التحرك باتجاه تل رفعت وعفرين لقطع الطريق على التمدد السياسي الأمريكي في منطقة يتقاسم الروس والأتراك والنظام الإشراف على إدارتها، وكان واضحاً أن النظام هو أيضاً مَنْ سيتقدم باتجاه عفرين لتجنيب المنطقة هذه المواجهة العسكرية التي تعيشها اليوم، لكن التصلب الكردي وتمسكه بعدم التفريط بثالث كانتونات روجافا دون مقايضة سياسية ودستورية، هو الذي عرقل كل هذه التسويات في اللحظة الأخيرة.

أنقرة وموسكو أرادتا تضييق الخناق على التمدد الأمريكي قبل عرقلة الوجود الكردي في شمال غرب سوريا، وواشنطن هي مَن أعطتهم هذه الفرصة عبر ارتكاب الخطأ القاتل في الإعلان عن خطة بناء جيش حدودي بالتنسيق مع القوى الكردية المحسوبة عليها دون أي تنسيق مع بقية مكونات المجتمع السوري، وتجاهل حليفها التركي وشريكها الروسي المفترض في التسوية الكبرى للأزمة السورية.

احتمال دخول واشنطن على خط "تسوية عفرين" لإقناع "قوات سوريا الديمقراطية" بمغادرة المدينة لأن المواجهة العسكرية بالنسبة لها "انتحارية"، ما زال قائماً، وهي بذلك قد تساوم على حماية حصتها في شمال شرق الفرات والرقة، وتحاول إقناع الأتراك بعدم التصعيد العسكري أكثر من ذلك في "منبج".

هل من المحتمل أن يكون وراء كل هذا التوتر والتصعيد التركي الأمريكي في سوريا اكتشاف واشنطن لخطة التقارب بين أنقرة ودمشق برعاية روسية إيرانية؛ قد تكون على حسابها وحساب حليفها الكردي في سوريا؟. القوات التركية هي التي حرّكت معركة عفرين، لكننا لا نعرف تماماً إذا ما كانت القوات ستتقدم للدخول إلى المدينة أم أن تسوية أخرى قد تتم لقطع الطريق على المواجهة الكبرى؟، السؤال يكرر نفسه مرة أخرى.

الهدف التركي في شمال سوريا هو توسيع البقعة الجغرافية لـ"درع الفرات"، لتشمل إدلب وجغرافيا عفرين، وبالتالي تفكيك وإضعاف نفوذ "جبهة النصرة" كما وعدت موسكو من جهة، ومنع تمدّد "حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي" في شمال غرب سوريا كما تريد هي، من جهة أخرى.

الانزعاج الأمريكي من التصريحات والمواقف التركية حيال سياسة أمريكا السورية الجديدة، رافقه موقف أمريكي "متفهم لقلق تركيا الأمني"، لكن الإدارة الأمريكية لن تنسى بسهولة أنها تبلغت بعملية "غصن الزيتون" من طرفٍ ثالثٍ وقبل وقوعها بساعات فقط كما يقال، وأن هدف التحرك التركي المباشر هو عرقلة خطة واشنطن لإنشاء قوتها الحدودية في شمال وشرق سوريا، وأن أنقرة مصرّة على إخراج حلفاء أمريكا الأكراد من "منبج" هذه البقعة الجغرافية الحساسة في الحرب على داعش كما يقول البيت الأبيض.

قيادات سياسية وعسكرية تركية وأمريكية تتخوف من احتمال وقوع مواجهة عسكرية مباشرة بين القوات التركية وحلفائها السوريين وبين القوات الأمريكية وحلفائها، أمام إصرار أنقرة على التقدم نحو "منبج"، ومطالبة واشنطن بسحب جنودها على الفور من هناك، هل سنطالب غدا أو بعد غد بدخول قوات النظام السوري إلى "منبج" أيضا للفصل بين المتحاربين؟!

يقول بيان رئاسي سوري وزع في دمشق، إن الرئيس بشار الأسد ووكيل الخارجية الإيرانية حسين أنصاري بحثا "مخاطر العدوان التركي المتواصل على الأراضي السورية، والجرائم التي يرتكبها بحق المواطنين السوريين وكيفية مواجهة هذا العدوان ومنعه من تحقيق غاياته المتمثلة في احتلال أراضٍ سورية ودعم التنظيمات الإرهابية، ونسف الجهود الرامية إلى إيجاد حل سلمي يعيد الأمن والاستقرار إلى سوريا"، قبل أسبوعين فقط كانت القيادات السياسية التركية تعلن تضامنها مع القيادة السياسية الإيرانية، وتحمّل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل مسؤولية التدخل في شؤون إيران وتأجيج حركة الاحتجاجات "وتأليب الناس على بعضهم هناك"، وتدعو الشعب الإيراني إلى اليقظة في مواجهة مخططات تستهدف البلاد، أي نكران إيراني للجميل التركي هو هذا في اللحظة الأخيرة.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات