أسطول ألمانيا.. قصة «أسراب الذئاب» في الحربين العالميتين
فرضت الغواصات الألمانية نفسها، كواحدة من أكثر الأسلحة البحرية فتكًا في التاريخ العسكري، وبالتحديد منذ مطلع القرن العشرين.
وبعد أن بثّت الرعب في صفوف البحارة خلال الحرب العالمية الأولى، عادت في الحرب العالمية الثانية أكثر تطورًا وفاعلية، محولة المحيط الأطلسي إلى ساحة مواجهة دامية حصدت أرواح عشرات الآلاف وأغرقت آلاف السفن، وفقًا لموقع "هيستوري".
ورغم أن ألمانيا كانت آخر القوى البحرية الكبرى التي دخلت مجال تصنيع الغواصات عام 1906، لكنها سرعان ما لحقت بمنافسيها وتفوقت عليهم.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، امتلكت 20 غواصة قتالية متطورة قادرة على الإبحار لمسافة تصل إلى 5 آلاف ميل دون التزود بالوقود، ما منحها القدرة على استهداف كامل السواحل البريطانية.
وفي سبتمبر/أيلول 1914، نفذت الغواصات الألمانية أولى عملياتها الناجحة بإغراق طراد بريطاني قبالة السواحل الاسكتلندية، ما أسفر عن مقتل أكثر من 250 بحارًا. وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، أغرقت الغواصة "يو-9" ثلاث طرادات بريطانية مدرعة خلال ساعة واحدة فقط، متسببة في مقتل نحو 1500 شخص.
لكن هذه النجاحات المبكرة رافقتها خسائر ملحوظة في الأسطول نفسه.
حرب الغواصات غير المقيدة
وفي فبراير/شباط 1915، أعلنت ألمانيا بدء سياسة "حرب الغواصات غير المقيدة"، والتي أتاحت استهداف جميع السفن المتجهة إلى بريطانيا، بما فيها سفن الدول المحايدة، دون سابق إنذار.
وامتدت الهجمات لتشمل سفن الركاب، وكان أبرزها إغراق السفينة البريطانية "لوسيتانيا" في مايو/أيار 1915 قبالة سواحل إيرلندا، ما أدى إلى مقتل نحو 1200 شخص، بينهم 128 أمريكيًا. وأثار الحادث غضبًا دوليًا واسعًا، دفع ألمانيا لاحقًا إلى تقديم تعهدات بتجنب استهداف السفن المدنية دون تحذير مسبق.
طريق الحرب

في يناير/كانون الثاني 1917، استأنفت ألمانيا حرب الغواصات غير المقيدة، وتمكنت خلال أشهر قليلة من إغراق أكثر من 500 سفينة. وكادت هذه الاستراتيجية أن تخنق بريطانيا اقتصاديًا، إلا أن استهداف السفن الأمريكية ساهم بشكل مباشر في دفع الولايات المتحدة إلى دخول الحرب.
كما مكّنت غواصات "يو-كروزر" بعيدة المدى ألمانيا من نقل المعركة إلى السواحل الأمريكية. ففي عام 1918 وصلت أول غواصة ألمانية إلى المياه الأمريكية، حيث أغرقت 13 سفينة وزرعت ألغامًا بحرية وقطعت كابلات تلغراف في قاع المحيط خلال مهمة امتدت لنحو 12 ألف ميل.
وبحلول نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت الغواصات الألمانية قد أغرقت أكثر من 10 ملايين طن من البضائع.
ورغم أن معاهدة فرساي حظرت على ألمانيا امتلاك الغواصات، فإن أدولف هتلر تجاهل تلك القيود عام 1935 وأعاد بناء الأسطول من جديد.
عصر "أسراب الذئاب"
عند اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، امتلكت ألمانيا 57 غواصة بقيادة الأدميرال كارل دونيتز، الذي كان يؤمن بأن السيطرة على الأطلسي كفيلة بحسم الحرب.
وفي عام 1940، وافق هتلر على استئناف حرب الغواصات غير المقيدة ضد السفن التجارية المحيطة ببريطانيا.
وبعد سيطرة ألمانيا على موانئ استراتيجية في النرويج وفرنسا، توسعت عمليات الغواصات بشكل كبير.
واعتمدت هذه الغواصات أسلوب الهجوم الجماعي المعروف باسم "أسراب الذئاب"، حيث تتعقب السفن لأيام قبل مهاجمتها بشكل منسق.
وبين صيف 1940 وربيع 1941، أغرقت كل غواصة في المتوسط ثماني سفن تجارية شهريًا، فيما وصفته ألمانيا بـ"العصر الذهبي" لأسطولها البحري.
السواحل الأمريكية تحت النار
وعقب دخول الولايات المتحدة الحرب، أطلقت ألمانيا عملية "درامبيت"، التي استهدفت السفن التجارية على طول السواحل الأمريكية والكندية. واستفادت الغواصات من ضعف الدفاعات البحرية آنذاك، فعملت بحرية في خليج المكسيك والممرات الساحلية.
وفي ولاية كارولاينا الشمالية وحدها، أغرقت الغواصات 78 سفينة تجارية وقتلت نحو 1200 بحار.
كما ساعدت الاستخبارات الألمانية في تحديد أهدافها عبر اعتراض برقيات شركات التأمين البحري ومعرفة مسارات السفن وحمولاتها.
انقلاب الموازين

وبدأت الكفة تميل لصالح الحلفاء مع اعتماد نظام القوافل البحرية المحمية وتطوير الرادارات والطائرات بعيدة المدى وحاملات الطائرات المرافقة. كما ساهم فك الشفرات الألمانية في كشف تحركات الغواصات.
وفي مايو/أيار 1943 وحده، خسر الأسطول الألماني 41 غواصة، بينها ثماني غواصات في يوم واحد، ما دفع دونيتز إلى سحب قواته إلى مناطق أبعد، بينها المحيط الهندي.
ورغم عودة الغواصات إلى السواحل البريطانية عام 1944 بعد تطوير أنابيب تهوية تسمح لها بالبقاء لفترات أطول تحت الماء، لكنها لم تستطع استعادة تفوقها السابق، وتكبدت خسائر متزايدة حتى نهاية الحرب.
وبعد انتحار هتلر في أبريل/نيسان 1945، أمر دونيتز جميع الغواصات بوقف القتال والاستسلام، لتنتهي بذلك واحدة من أكثر الحملات البحرية تأثيرًا في التاريخ.
توابيت فولاذية
ورغم نجاح الغواصات الألمانية في إغراق أكثر من 6 آلاف سفينة تجارية وحربية خلال الحربين العالميتين، فإن الثمن كان باهظًا. إذ خسرت ألمانيا نحو ثلاثة أرباع الغواصات التي بنتها خلال الحرب العالمية الثانية، فيما لقي نحو 30 ألفًا من أصل 40 ألف بحار خدموا على متنها حتفهم.
وعاش أفراد الطواقم في ظروف قاسية داخل مساحات ضيقة تفتقر لأبسط مقومات الراحة، وسط روائح الديزل والرطوبة ومياه الصرف الصحي.
ووصف المراسل الحربي الألماني لوثار-غونتر بوخهايم تجربته على متن إحدى الغواصات عام 1941 بقوله: "أشعر وكأنني إنسان داخل محارة ضخمة، أجزاؤها الحساسة مغطاة بالدروع"، في وصف يلخص حياة رجال أمضوا أشهرًا داخل ما تحوّل بالنسبة إلى كثيرين منهم إلى "توابيت فولاذية" في أعماق المحيطات.