في عالم تتزايد فيه التحديات وتتشابك فيه المصالح، لم يعد معيار قوة الدول مقتصراً على ما تملكه من موارد، بل على قدرتها في تحقيق معادلة دقيقة: الانفتاح دون هشاشة، والتسامح دون تفريط، والنمو دون الإخلال بثوابت الاستقرار.
وفي هذا السياق، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً حضارياً متفرداً في رؤيته وتكوينه. هي دولة تُقاس ثروتها بما تزرعه من قيم، وما تصونه من كرامة للإنسان، وما تقدمه كنموذج واقعي للتعايش يتجاوز الشعارات.
لم يكن انفتاح الإمارات شعاراً عابراً، بل خياراً استراتيجياً واعياً. منذ تأسيسها، تبنّت نموذجاً تنموياً يقوم على جذب العقول والاستثمارات، وتهيئة بيئة تحتضن التنوع الثقافي والاقتصادي.
واليوم، يعيش على أرضها أكثر من 11 مليون نسمة من أكثر من 190 جنسية، في مشهد يعكس واحدة من أكثر البيئات تنوعاً على مستوى العالم.
هذا الواقع لم يكن صدفة، بل نتيجة سياسات عززت الثقة، ورسخت سيادة القانون، وجعلت من الإمارات وجهة للحياة والعمل والطموح.
كما تواصل الدولة دورها الإنساني خارج حدودها، حيث قدمت منذ قيام الاتحاد مساعدات تجاوزت 360 مليار درهم دعماً لأكثر من 140 دولة، في تأكيد أن الاستقرار ليس قيمة محلية فقط، بل مسؤولية إنسانية أوسع.
وقد احتلت الإمارات المرتبة الثالثة في عام 2025 بعد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بإجمالي مساعدات بلغت 1.46 مليار دولار، بما يعادل 7.2% من إجمالي المساعدات الإنسانية الموثقة عالمياً.
غير أن هذا الانفتاح يفرض تحديات موازية. فالدول التي تفتح أبوابها للعالم تصبح أكثر عرضة لمحاولات الاختراق، سواء كانت فكرية أو تنظيمية أو رقمية. وهنا تتجلى معادلة الدولة الحديثة: كيف تحافظ على انفتاحها دون أن تتحول إلى مساحة رخوة. ولعل ما أعلن مؤخراً عن تفكيك تنظيم كان يخطط لزعزعة الاستقرار، يؤكد أن الأمن في الإمارات ليس رد فعل، بل منظومة استباقية تقوم على الوقاية قبل المواجهة.
ويتجسد هذا النهج أيضاً في التعامل مع التحديات الرقمية. فمع تسارع التحول الرقمي، برزت محاولات استغلال الفضاء الإلكتروني لنشر أفكار مضللة أو استهداف وعي الأفراد، خاصة فئة الشباب.
وقد تعاملت الجهات المختصة مع مثل هذه الحالات بحزم ووعي، عبر تعزيز الأمن السيبراني ورفع مستوى التوعية المجتمعية، بما يضمن حماية المجتمع دون التأثير على انفتاحه. وفي هذا السياق، تتجلى كلمات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات بوضوح حين قال: "إن الحفاظ على المكتسبات يتطلب من الجميع اليقظة، فالوطن أمانة في أعناقنا جميعاً، والذود عنه وعن استقراره مسؤولية مشتركة".
هذه الكلمات لا تُقرأ كتصريح عابر، بل كإطار فكري يحدد معادلة الدولة: الانفتاح مسؤولية، والأمن التزام جماعي.
في المقابل، يطرح هذا الواقع سؤالاً لا يمكن تجاهله: ما الذي يدفع البعض، رغم ما توفره الدولة من فرص واستقرار، إلى الانخراط في مسارات تهدد هذا النموذج؟ الإجابة تبدأ بفهم أن التهديدات الحديثة لم تعد تقليدية. لم تعد مرتبطة بحدود جغرافية فقط، بل امتدت إلى الفضاء الفكري والإعلامي، حيث يمكن التأثير والتجنيد بوسائل غير مرئية. الحقيقة التي لا تحتمل التأويل أن الخيانة قرار، وليست مجرد وقوع في فخ. من يسيء إلى وطنه لا يمكن تبرير فعله بالجهل أو التضليل. فالوطنية التزام أخلاقي لا يقبل المساومة.
ومن هنا، فإن مسؤولية حماية الوطن لا تقع على عاتق المؤسسات الأمنية وحدها، بل تشمل المجتمع بأكمله. وعي الأفراد، وقدرتهم على التمييز بين ما يخدم الاستقرار وما يستهدفه، أصبح جزءاً أساسياً من منظومة الأمن. أخطر التحديات ليست تلك التي تأتي من الخارج، بل التي تنشأ من الداخل عندما يغيب الوعي أو يُساء تقدير المسؤولية.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا تتغير: الإمارات لا تُهزم بالخيانة، بل تزداد قوة بتماسكها. ولا تضعفها التحديات، بل تزيدها صلابة. سيبقى هذا الوطن شامخاً بوعي أبنائه، وسداً منيعاً أمام كل من يراهن على سقوطه. ويبقى السؤال الذي لا يجد له التاريخ إجابة: كيف يمكن لقلب أن يخون وطناً لم يمنحه إلا كل شيء؟
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة