قد يبدو الربط بين التعايش والتسامح من جهة، والانتماء والدولة الوطنية من جهة أخرى، أقرب إلى الجمع بين مسارين منفصلين، أحدهما يُقرأ في سياق القيم الاجتماعية، والآخر يُقرأ في سياق السياسة وبناء الدولة.
غير أن التدقيق يكشف أن هذه المفاهيم تلتقي عند نقطة مركزية واحدة، حماية الدولة الوطنية من التصدع، عبر ترسيخ انتماءٍ تكون الدولة فيه مرجعية الولاء الأولى.
فالتسامح، في معناه الأعمق، لا يُختزل في قبول التنوع، ولا في إدارة التعدد داخل المجتمع، ولا في توفير مساحة للتعايش بين مكونات مختلفة، ويتصل أثره الأبعد بإنتاج بيئة يترسخ فيها إدراك بأن الانتماء للدولة هو الإطار الذي يعلو على ما سواه.
وفي هذا المعنى، يدخل التسامح في صميم البنية التي تصون تماسك الدولة من الداخل، ولا يقف عند حدود قيمة اجتماعية مجردة.
فالمجتمعات التي تتأسس على احترام التنوع، وتُرسّخ ثقافة العيش المشترك، تتراجع فيها بيئات الانشداد إلى مرجعيات تتجاوز الدولة، وتضيق المساحات التي تنمو فيها نزعات الولاء الموازي، وحين تستقر الدولة في وعي الفرد بوصفها المظلة الجامعة، يترسخ الانتماء الوطني على نحو يعزّز التماسك المجتمعي، ويجعل فرص الاختراق الأيديولوجي أو الطائفي أضيق.
ومن هنا، لا يبدأ الخطر على الدولة الوطنية عند لحظة العنف، ولا عند لحظة التآمر، ولا عند لحظة الخيانة في صورتها المكتملة، فالبداية تكون أبكر من ذلك بكثير، تبدأ عندما يتحول مركز الانتماء من الدولة إلى مرجعية أخرى، مذهبية كانت أو أيديولوجية أو عقائدية، ويُعاد تعريف الولاء خارج الإطار الوطني. هنا يظهر الخيط الأول في مسار أشد تعقيدًا، لأن ما يبدأ كتبدل في مفهوم الانتماء، قد ينتهي إلى تصدع في مفهوم الدولة نفسها.
ويخطئ من يردّ مثل هذه الانحرافات إلى قصور في الدولة أو نقص في مظلتها الجامعة، لأن الإشكال في هذه الحالات ينشأ من تشدد يرفض أصلا الاندماج في فكرة الدولة، ويقدّم مرجعية ضيقة على الانتماء الوطني، فحين يتقدم التعصب على المواطنة، يكون الخلل في موقع الولاء الذي اختاره الفرد، وليس في الدولة التي وفّرت إطار الانتماء.
وهذا ما يجعل التطرف، في أحد وجوهه العميقة، يُفهم كخلل يسبق الانحراف السلوكي أو الأمني، ويتصل بترتيب الولاءات قبل تجلياتها اللاحقة، فحين تتقدم المرجعية الفرعية على الوطن، يتجاوز الخلل التعبير عن الانتماء، ويمس تعريفه من الأساس.
ولهذا، فإن الدولة التي ترسّخ التعايش تدير تنوعها، وتعزّز في الوقت نفسه مناعة الانتماء الوطني، وتحدّ من فرص الانزياح عن مركز الولاء للدولة.
وتبرز هنا زاوية أخرى لا تقل أهمية، وهي أن التعايش يرسّخ الانتماء الوطني، ويُضعف كذلك بيئات التشدد التي تتغذى عليها خطابات الاستقطاب، فالجماعات المؤدلجة تنمو حين تنجح في إنتاج فرز نفسي أو اجتماعي بين الفرد ودولته، وبين الفرد ومحيطه، وتضعف حين تواجه مجتمعا متماسكا لا يوفر لها حواضن قابلة للاختراق.
وفي هذا المعنى، يتجاوز التسامح حماية العلاقة بين الفرد والدولة، ويغدو إضعافا للبنية التي تتسلل منها مشاريع التطرف.
وفي عالم تتكاثر فيه مشاريع الاستقطاب، وتتسع فيه محاولات شد الأفراد إلى ولاءات موازية، يصبح الدفاع عن الدولة الوطنية مرتبطا أيضا بالدفاع عن الفكرة التي تحفظها من الداخل، أن يكون الوطن هو مرجعية الولاء الأولى، وأن تبقى الدولة هي السقف الذي تلتقي تحته كل الانتماءات، بعيدا عن مساحات التنازع بين المرجعيات.
وإذا كان التعايش يعزّز مناعة الدولة من الداخل، فإن صلابة مؤسساتها الأمنية تمثل الوجه الآخر في حماية هذا التماسك، عبر يقظة تكسر محاولات الاختراق كلما ظهرت، وتؤكد أن ما يُبنى على التماسك المجتمعي، تحرسه في الميدان مؤسسات لا تسمح بأن يجد التهديد منفذا للتغلغل.
وفي هذا التكامل بين الوعي واليقظة، تتبدد رهانات من يظن أن بإمكانه التسلل إلى دولة خبرت كيف تحرس نفسها.
هنا تحديدا، يتجاوز التسامح كونه قيمة مكمّلة، ويغدو أحد شروط بقاء الدولة الوطنية متماسكة، ضمن معادلة أوسع يلتقي فيها التماسك المجتمعي مع يقظة أمنية تصون هذا البناء، وتُحبط أي نفاذ إليه قبل أن يتحول التهديد إلى موطئ قدم.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة