في الأوقات العادية، قد يبدو الحياد موقفًا مقبولًا، بل وربما حكيمًا في بعض السياقات، حين تكون الوقائع قابلة للتأويل، أو حين يكون الخلاف سياسيًا محدودًا، أو حين تسمح المسافة النقدية بقراءة متوازنة للمشهد.
غير أن هذا المنطق لا يصح دائمًا في اللحظات المفصلية، ولا سيما حين لا يكون الصراع مجرد تنازع مصالح أو تنافس نفوذ، بل مواجهة بين رؤيتين متعارضتين للدولة والاستقرار والنظام الإقليمي. ففي مثل هذه اللحظات، لا يعود الحياد مجرد امتناع عن الاصطفاف، بل قد يتحول إلى التباس أخلاقي يساوي، عن قصد أو من دونه، بين منطق الحماية ومنطق الاعتداء.
ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى ما واجهته دولة الإمارات العربية المتحدة باعتباره مجرد مواجهة أمنية عابرة أو أزمة ظرفية ضمن توترات الإقليم، بل بوصفه اختبارًا سياسيًا وأخلاقيًا يتعلق بموقعنا من معركة أوسع تمسّ معنى الدولة الوطنية، ومشروعية الاستقرار، وإمكان قيام نموذج عربي حديث لا يقوم على الفوضى أو التعبئة العقائدية أو تصدير الأزمات إلى الجوار.
فالإمارات، في هذا السياق، لا تدافع فقط عن حدودها، وأمنها الوطني، ومصالحها الاستراتيجية، بل تدافع أيضًا عن فكرة سياسية وأخلاقية أثبتت جدواها في بيئة إقليمية مضطربة: فكرة أن الدولة يمكن أن تُبنى على التنمية لا على التخريب، وعلى الاعتدال لا على الغلو، وعلى المؤسسات لا على الميليشيات، وعلى السلام لا على الاستثمار في التوترات والانقسامات. ومن هنا، فإن استهداف الإمارات لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه استهدافًا لدولة ناجحة، بل أيضًا بوصفه استهدافًا للمعنى الذي تمثله هذه الدولة في محيطها العربي والإقليمي.
ولهذا، فإن الوقوف مع الإمارات لا ينبغي أن يُفهم فقط في إطار التضامن السياسي أو الاصطفاف الدبلوماسي، بل من زاوية أعمق تتصل بالدفاع عن منظومة قيم في مواجهة منطق مغاير. فعندما تكون دولة قد اختارت، بصورة منهجية، أن تجعل من التسامح، والتعايش، والانفتاح، واحترام القانون الدولي، والرهان على التنمية، أسسًا لسياستها الداخلية والخارجية، فإن الاعتداء عليها لا يكون موجّهًا إليها وحدها، بل إلى النموذج القيمي والسياسي الذي تمثله أيضًا.
ومن هنا تأتي خطورة التردد أو المواربة أو الاحتماء بلغة رمادية في مثل هذه اللحظات. لأن ما يبدو للبعض حيادًا دبلوماسيًا أو تحفظًا محسوبًا قد يتحول، عمليًا، إلى تخفيف أخلاقي من وطأة العدوان، أو إلى مساهمة غير مباشرة في إضعاف الطرف الذي يمثل، في هذا السياق، منطق الدولة والاستقرار والعقلانية. فالحياد ليس فضيلة في ذاته دائمًا؛ إذ قد يصبح، في ظروف بعينها، مجرد عجز عن تسمية الأشياء بأسمائها، أو ترددًا في التمييز بين من يحمي الاستقرار ومن يهدده.
إن الموقف الواضح هنا لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انفعالًا أو تعبئة خطابية، بل بوصفه انحيازًا مبدئيًا إلى الدولة ضد الفوضى، وإلى الاعتدال ضد التشدد، وإلى المسؤولية ضد المغامرة. ولذلك، فإن الوقوف مع الإمارات في هذه اللحظة ليس فقط خيارًا سياسيًا مشروعًا، بل هو أيضًا موقف أخلاقي تمليه طبيعة المعركة نفسها. ففي الحروب التي لا تختبر فقط موازين القوة، بل تمتحن أيضًا مصير النماذج، يصبح الصمت موقفًا، وتغدو المواربة تواطؤًا رمزيًا، ويغدو الوضوح أحيانًا أقل ما يقتضيه الواجب.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة